لغز الساعة 3.17
في السيارة، لم يصرخ بوجهها، بل سألها بهدوء: “منذ متى؟”. روت له قصة **أم أمين**، والقبو، وكيف أن ملاجئ الأيتام الرسمية كانت ستفرق بين الإخوة، وتحدثت عن صمت **مازن**، وعن خوف **ليلى** من وعود البالغين الكاذبة. استمع **طارق** دون مقاطعة. وعندما انتهت، قال لها إنه سيشتري لهم بيتاً آمناً يحتوي على أسرة، طعام، مدارس، وحراسة. ردت عليه **فرح** بمرارة بأن الرجال مثله لا يهدون شيئاً بالمجان، بل يشترون الديون. اعترف بأن هذا صحيح في عالم الأعمال، لكن ليس مع الأطفال، وطلب منها شرطاً واحداً: ألا تكذب عليه مجدداً، لأن أسرارها قد تق..تل من تحب. لم ترد **فرح** أن تقبل عرضه، لكنها تذكرت الصغير **يوسف** وهو ينام بجوار جدار القبو الرطب، فوافقت.
بعد ثلاثة أيام، استقر الأطفال الستة في منزل جديد في حي آمن، به باحة واسعة، أقفال جديدة، ومطبخ يتسع للجميع. بكت **ليلى** عندما رأت سريراً وردياً، وقام **يوسف** بفتح وباب غرفته وإغلاقه اثنتي عشرة مرة من شدة الفرح، بينما غضب **عمر** لأن الأمل كان يبدو له بمثابة فخ. استمر هذا السلام لثلاثة أسابيع، وبدأت **فرح** تسترخي وتغادر البرج في أوقات متأخرة، مطمئنة إلى أن الأطفال في أمان. لكن في إحدى الليالي، وأثناء عبورها شارعاً رئيسياً، توقفت حافلة صغيرة بيضاء بجانبها. اختطفوها بعنف، غطوا رأسها، واقتادوها إلى مستودع مهجور في أطراف المدينة. كان الخاطفون يتحدثون عن **كامل “الروسي”**؛ يريدون خطوط السير، الحسابات، والأسماء، وأرسلوا رسالة إلى **طارق**: “إن أردت استعادة مساعدتك حية، فعليك تسليم السيطرة على الميناء الجاف”. ظنت **فرح** مستسلمة أن رجلاً مثل **طارق** لن يضحي بأراضٍ ونفوذ من أجل مجرد سكرتيرة، لكن في الفجر، وصل **طارق السيوفي**… ولم يكن ينوي التفاوض.
عمّ سكون قاتل في المستودع قبل أن تستوعب **فرح** أنها ما زالت على قيد الحياة. ظهر **طارق** أمامها بسترة ممزقة، وجرح نازف فوق حاجبه، لكن يديه كانتا ثابتتين وهما تقطعان الحبال المحيطة بمعصميها. لم يواشِها بعبارات رقيقة ولم يتحدث كالأبطال، بل نظر إليها بغضب جليدي، وكأن العالم بأسره قد تجاوز خطاً أحمر لا يُغتفر، وقال لها إن أحداً لن يجرؤ مجدداً على لمس ما يقع تحت حمايته. كان ينبغي على **فرح** أن تشعر بالخوف منه، لكنها في تلك اللحظة رأت فيه شيئاً أعمق من السلطة؛ رأت الرجل الذي دخل القبو ولم يدمر سرها، بل حوله إلى سقف يحميها ويحمي أطفالها.