لغز الساعة 3.17

تحولت الشائعات في الممرات إلى سمّ زُعاف؛ قالوا إن لها عشيقاً في سلك الأمن، وقالوا إنها تبيع معلومات لخصومه في الحارات الشعبية القديمة، أو تزور سجيناً، أو تسدد ديناً قديماً. لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير… وأكثر خطورة. في الساعة 3:17، كانت **فرح** تتوقف عن كونها مساعدة الرجل الأكثر رعباً في المدينة، وتتحول إلى الأم الوحيدة لستة أطفال مشردين بلا مأوى.

في ذلك اليوم (الجمعة)، لم يتحرك **طارق** من عند باب مكتبه. لاحظت **فرح** ذلك منذ الساعة 3:15؛ لم يكن يتحدث في الهاتف، بل كان ينتظر فحسب. في الـ 3:16، حفظت الملف الذي تعمل عليه، وفي الـ 3:17، وقفت. لم تسرع خطوتها، فالجري اعتراف بالذنب. وصلت إلى المصعد، وانفتحت الأبواب. وهناك… ارتكبت خطأها الأول منذ ستة أشهر؛ التفتت إلى الخلف.

كان **طارق** واقفاً هناك، واضعاً يديه في جيبيه، وعيناه المظلمتان شاخصتان نحوها بمزيج من الغضب، والفضول، ورغبة في التملك لم ترغب **فرح** في تفسيرها. أُغلقت أبواب المصعد. نزلت **فرح**، خرجت من ردهة البرج، وتوجهت مسرعة نحو محطة المترو، ولم تلاحظ السيارة الرباعية السوداء ذات الزجاج الداكن التي انطلقت خلفها بعد ثلاث ثوانٍ فقط.

استقلت المترو حتى وصلت إلى منطقة نائية، حيث تختفي المباني الفارهة لتحل محلها جدران مشوهة بالكتابات، وبيوت قديمة متهالكة. كانت تلك المنطقة تقع بالكامل تحت سيطرة **كامل “الروسي”**، العدو اللدود لـ **طارق**. لم يكن يجرؤ أي رجل من رجال **طارق** على دخولها دون إذن، لكن **فرح** كانت تدخلها بمفردها كل يوم.

وصلت إلى بيت قديم من خمسة طوابق، تميزه رائحة الرطوبة وباب رئيسي مخلوع لا ينغلق. لم تصعد إلى الأعلى، بل عبرت الفناء الداخلي، وفتحت بوابة حديدية صدئة ونزلت إلى قبو منسي تحت الأرض. في الأسفل، استقبلتها ستة أصوات طفولية وكأن النور قد عاد فجأة إلى المكان: “فرح!”.

ارتمت **ليلى** (7 سنوات) حول خصرها. وبدا **عمر** (14 سنة) جاداً وصامداً كي لا تبكي عيناه. أما **مازن** (12 سنة) فقد راح يراقب الباب بحذر كعادته. وتركت التوأم **ريم** و**رشا** (10 سنوات) دفتراً مدرسياً فوق صندوق كرتوني، بينما ركض الصغير **يوسف** (5 سنوات) نحوها ممسكاً بسيارة لعبة مكسورة. ج..ثت **فرح** على ركبتيها واحتضنت **ليلى** التي قالت: “لقد تأخرتِ اليوم”، فأجابتها: “لكنني وصلت في النهاية.. وأنا عند وعدي دائماً”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *