ابنة الخادمة

ساد صمت قاتل في الردهة الرخامية، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت أنفاس “شاهيناز” التي تلاحقت من الصدمة. تراجعت خطوة إلى الوراء، وتلعثمت وهي تشير بسبابتها نحو “كريمة”: “آدم… هل جننت؟ ما الذي تقوله؟ هذه… هذه ابنة عاملة النظافة! كيف تجرؤ على إهانتي وإهانة نفسك بهذا الادعاء السخيف؟”.

لم يعرها “آدم” أدنى انتباه. كان جاثياً على ركبتيه أمام الطفلة، يتأمل ملامحها بنظرات تفترس التفاصيل؛ العينان الواسعتان اللتان تحملان نفس بريق عينيه، شامة صغيرة قريبة من أذنها، وتقسيمة وجهها التي بدت وكأنها نسخة مصغرة منه. كيف كان أعمى طوال هذه السنوات الثلاث؟ كيف لم يرى نفسه في هذا الوجه الملائكي؟

نهض وتقدم نحو “كريمة” بخطوات بطيئة وثقيلة: “أربع سنوات يا كريمة… أربع سنوات وأنا أبحث عنكِ. طرقتُ أبواباً كثيرة، وسألتُ عنكِ في كل مكان بعد ذلك الحفل… فلماذا اختفيتِ؟ ولماذا جئتِ إلى هنا كعاملة تنظيف ولم تنطقي بحرف واحد؟”.

ابتلعت “كريمة” غصتها، وامتزج خوفها بمرارة السنين وقالت بصوت متهدج: “وكيف كنت سأخبرك يا سيدي؟ أنت آدم المنصوري، الرجل الذي يملك المال والسلطة، ويحيط نفسه بحراس ومحامين يمنعون حتى الهواء من الوصول إليك. حاولتُ الاتصال بك مئات المرات عندما علمتُ بحملي، لكن مساعديك كانوا يطردونني بكلمات جارحة ويقولون إنني مجرد فتاة فقيرة تحاول الابتزاز. خفتُ… خفتُ أن تأخذ مني ابنتي إن علمت بوجودها، أو أن تدمر حياتي البسيطة، فلم أجد مكاناً أختبئ فيه معها سوى قصرك… المكان الذي لن يبحث فيه أحد عن سرٍ يخصك”.

نزلت الكلمات على “آدم” كالصاعقة. التفتت “شاهيناز” بذكاء الأفاعي وحاولت اللعب على وتر الشك: “آدم، لا تصدق هذه المسرحية! إنها امرأة مخادعة، خططت لكل شيء لتوقع بك وتسرق ثروتك. لا بد من إجراء فحص نسب فوراً، وأنا متأكدة أن هذه الطفلة ليست منك!”.

استدار “آدم” نحو “شاهيناز” وعيناه تشتعلان غضباً، وقال بنبرة حاسمة هزت جدران القصر: “اخرسي يا شاهيناز! أنا لا أحتاج إلى فحص لأعرف ابنتي، دمها يجري في عروقي، وملامحها تنطق باسمي. أما أنتِ… فمنذ هذه اللحظة، اخلعي هذا الخاتم واخرجي من بيتي ومن حياتي. من لا يحترم طفلة بريئة، لا يستحق أن يكون سيدة لهذا المنزل”.

بكت “شاهيناز” صراخاً واحتجاجاً، وحاولت التمسك به، لكن حراس القصر -بإشارة واحدة من آدم- رافقوها إلى الخارج بحقائبها، لتنتهي غطرستها عند عتبة الباب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *