ابنة الخادمة

انقلب كل شيء رأساً على عقب مع ظهور “شاهيناز”. كانت في التاسعة والعشرين من عمرها، ترتدي فساتين مصممة بعناية، وتتحدث بنبرة متعالية، وتضع في إصبعها خاتماً ماسياً ضخماً، وتنظر إلى الخدم وكأنهم قطع أثاث لا قيمة لها. وفي أقل من ستة أشهر، استقرت في القصر مع “آدم”، وبدأت تصدر الأوامر وكأنها سيدة المكان الفعلية. كرهت “ليان” منذ اليوم الأول، وكانت تقول بتأفف: “هذا القصر ليس دور رعاية للأطفال! وجودها هنا أمر لا يطاق”.

منذ ذلك الحين، انقبض قلب “كريمة”، وأصبحت تراقب كل خطوة وكل نفس تخطوه ابنتها خوفاً عليها. لكن في صباح ذلك الثلاثاء، استيقظت “ليان” قبل الجميع. وفي الردهة القريبة من الدرج، وجدت زراً ذهبياً سقط من سترة “آدم”. بالنسبة لطفلة صغيرة، كان هذا الزر بمثابة كنز لامع، فالتقطته بعناية.

في تلك اللحظة، ظهرت “شاهيناز” برادئها الحريري، والهاتف في يدها. اقتربت منها “ليان” ببراءة، ومدت يدها الصغيرة بالزر قائلة بهمس: “جميل…”. لم تأخذ “شاهيناز” الزر، بل تملّك الغضب وجهها وصرخت: “أين أمكِ؟!”.

ركضت “كريمة” مذعورة: “سيدة شاهيناز، أنا اعتذر بشدة، لم تكن تقصد إزعاجكِ…”. فقاطعتها “شاهيناز” بقسوة: “كفى! هذه الطفلة ليس لها مكان هنا، ولا أنتِ أيضاً. اجمعا أغراضكما، أريدكما خارج القصر الليلة!”.

سقط الزر الذهبي من يد الطفلة على الرخام ودحرج ببطء… وفي تلك اللحظة بالذات، رنّت أصوات خطوات قادمة من أعلى السلالم. كان “آدم” ينزل، وقد سمع كل شيء.  Ahmad Suliman

اعتَدلت “شاهيناز” في وقفتها، وحاولت تلطيف الأجواء قائلة ببرود: “آدم… كنت فقط أضع حدوداً لهؤلاء الخدم”. لم يلتفت إليها “آدم”، بل تجاوزها وتقدم نحو “ليان”. انحنى، والتقط الزر الذهبي، ثم وضعه برفق في كفها الصغيرة وقال: “أعتقد أن هذا لكِ”.

نظرت إليه “ليان” بعينيها الواسعتين وكررت بعفوية: “جميل…”.

شحب وجه “آدم” تماماً. تحولت نظرته من الطفلة إلى “كريمة”، ثم عاد لينظر إلى وجه الطفلة الصغير. ثمة شيء ما تكسر في داخله، وظهرت الصدمة جلية على ملامحه. سأل “كريمة” بصوت منخفض ومتهدج: “كريمة… لماذا لم تخبريني؟”.

شعرت “كريمة” وكأن الأرض تميد من تحتها، وابتلعت ريقها قائلة برعب: “ماذا تقول يا سيدي؟”. لكن صوت “آدم” كان يهتز بشدة، وهو يثبت نظراته على “ليان” بعينين ملأهما يقين مرعب ومفاجئ: “هذه الطفلة… هي ابنتي!”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *