تصفحت الأوراق؛ زيارات أسبوعية، تكون تحت الإشراف في البداية، دون وجود حراسة مسلحة في الجوار، ولا تواصل مع **ندى** إلا من خلال القنوات القانونية. كان الأمر منصفًا، ولهذا كان مريرًا وقاسيًا على نفسي.
قلت لها: “لقد رتبتِ لكل هذا.. الطلاق، الأثر، التاريخ، والمنارة”.
“نعم”.
“لماذا؟”
افترقت شفتاها ولأول مرة بدت خائفة وقالت: “لأنني كنت بحاجة لمعرفة ما إذا كان هناك إنسان حقيقي وراء هذا الاسم والنفوذ”.
بدأ المطر ينهمر مجددًا كخيوط الفضة، ونظرت إلى ابنتي وهي تلعب، ثم نظرت إلى **ندى** وقلت: “أنا هنا”.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة وقالت: “أعلم.. لكني أنا لم أعد هنا”.
كانت كلماتها هادئة وحاسمة، ولم تكن قاسية بل كانت رحيمة. خطت نحوي ووضعت شيئاً في كفي.. خاتم زواجنا.
وقالت: “لقد احتفظت به حتى تجدنا، ليس لأنني أريد العودة، بل لأتذكر أنك كنت يوماً ذلك الفتى الشهم عند المنارة الذي وعدني ألا تجعله الدنيا قاسيًا”.
“يمكنني أن أكون ذلك الفتى مجددًا”.
اغرورقت عيناها بالدموع وقالت: “لا يا **طارق**، يمكنك أن تكون شخصًا أفضل بكثير.. ولكن ليس من أجلي، بل من أجلها هي”. ونظرت إلى **إليانا**.
ضحكت الطفلة فجأة لأن الأرنب سقط من يدها في بركة ماء، وضحكت **ندى** معها بنعومة.. وكانت تلك الضحكة هي نفسها التي في صورة شهر العسل؛ لا تزال حية، لكنها لم تعد ملكي.
وقعتُ على الأوراق فوق غطاء سيارتي والمطر يمحو الحبر. لو كان والدي حياً لقال إن هذا استسلام وضعف، لكني وأنا أنظر إلى ابنتي وزوجتي، أدركت الحقيقة التي يتعلمها الرجال أمثالي متأخرين: **القوة ليست في إجبار الناس على البقاء، القوة هي أن تصبح ملاذًا آمنًا لدرجة لا تجعلهم يضطرون للهرب منك.**
عندما أعدت الأوراق إليها، نظرت إلى توقيعي ثم إليّ وقالت: “شكرًا لك”.
أردت أن أترجاها، أن أخر على ركبتي وأعرض عليها كل أملاكي وقصوري ونفوذي، لكني بدلاً من ذلك سألتها بصوت خافت: “هل يمكنني رؤيتها السبت القادم؟”
تغيرت ملامح وجهها، وظهر شرخ صغير في جدار جفائها.. لم يكن عفوًا كاملاً بعد، ولكنه كان بداية لشيء حي.
وقالت: “نعم.. في الساعة العاشرة صباحًا”.
لوّحت لي **إليانا** بانتشاء وهي تمشي مع والدتها في الطريق، فرفعت يدي مودعًا. لم تلتفت **ندى** خلفها، لكن ابنتي التفتت وصاحت ببراءة: “طارق! لا تحزن! يمكنك أن تصلح الأرنب يوم السبت!”.