كانت تقف عند السياج تواجه البحر، ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا.

ناديتها بصوت متهدج: “**ندى**”.

التفتت إليّ ببطء، وكان وجهها هادئًا تمامًا.. وهذا تحديدًا ما كان يؤلم أكثر؛ لم يكن في عينيها كره ولا دموع، بل كان هدوء شخص عبر الحريق بالفعل، وأنا لم أصل إلا إلى الرماد.

وقالت: “لقد وجدت المكان”. Ahmad Suliman

فأجبت بصوت باكي: “لقد وجدتكِ أنتِ”.

ردت برقة: “لا.. أنت وجدت ذكريات قديمة فحسب”.

خطوت نحوها: “ارجعي معي إلى البيت”.

نظرت إلى البحر وقالت: “ذاك المكان لم يكن بيتي أبدًا”.

“يمكنني أن أتغير يا **ندى**”.

“أعلم ذلك.. أعلم أنك تستطيع التغير يا **طارق**، لم يكن هذا هو السؤال أبدًا. بل كان السؤال: هل أريد أن أقضي ما تبقى من عمري وأنا أنتظر أن تختارني في النهاية؟”

ابتلعت غصتي وقلت: “**فانيسا** لم تكن تعني لي شيئًا”.

ضحكت **ندى** بهدوء، وضحتكها كانت أقسى من الصراخ: “أعلم، ولهذا كان الأمر مؤلمًا. لو كانت تعني لك شيئًا لكنت حاربتها أو كرهتها، لكنها لم تكن شيئًا.. مجرد ليلة، مجرد نزوة. أنت لم تخنّي لأنك أحببت امرأة أخرى، أنت خنتني لأنني أصبحت أمرًا اختياريًا وثانويًا في حياتك”.

نظرت إلى الأرض، ولأول مرة في حياتي، لم أجد دفاعًا، ولا تهديدًا، ولا نفوذًا يعيد الأمور لصالحي.

قلت لها: “لقد أحببتكِ.. وما زلت أحبكِ”.

ترقرقت الدموع في عينيها وقالت: “ولهذا رحلت قبل أن أبدأ في كرهك”.  Ahmad Suliman

أخرجت صورة شهر العسل وقلت: “لقد تذكرت الوعد، وتذكرت التاريخ، تذكرت كل شيء”.

نظرت **ندى** إلى الصورة، ولثانية واحدة مستحيلة، لمع بريق أمل في وجهها، وظننت بغباء أنني استعدتها. خطوت نحوها، ووضعت يدها الباردة على خدي، فأنزلت عيني كالمحروم.

وهمست: “كنت أريدك أن تتذكر”.

“إذن عودي معي”.

“لا أستطيع”.

في تلك اللحظة، سُمع صوت غلق باب سيارة خلفنا. التفتت **ندى**، ورأيت طفلة صغيرة ترتدي معطف مطر أصفر تقف على الطريق، ممسكة بيد امرأة مسنة لا أعرفها.

كانت الطفلة في الثالثة من عمرها تقريبًا.. بخصلات شعر مجعدة، ونظرة جادة، وعينين رماديتين.. عينيّ أنا!

انقبض قلبي وضاقت الدنيا في وجهي وأنا أنظر إليها.

همست بذهول: “لا.. هذا مستحيل”.

هطلت دموع **ندى** وقالت: “اسمها **إليانا**”.

حدقت في طفلتي، التي كانت تنظر إليّ بفضول طفولي وهي تضم دمية أرنب قماشية إلى صدرها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *