أغلقت عيني بأسى.. أشهر كاملة! بينما كنت أعود متأخرًا وأتحجج باجتماعات العمل، بينما كنت أنسى مواعيد العشاء وأكتفي بإرسال الزهور كاعتذار، بينما كانت تقف بجانبي في الحفلات الكبرى وتبتسم كأنها امرأة غريبة رُسمت في لوحة شخص آخر.

سألني **مروان** السؤال الذي كنت أتهرب منه: “ماذا فعلت بها؟”

خرجت مني ضحكة مريرة: “ما الذي لم أفعله؟”

كان القصر يفوح برائحة المال والنفوذ، كل شيء كانت تكرهه في هذا المكان. كانت تقول لي دائمًا: “أنا لا أريد قصورًا يا **طارق**، أريدك فقط أن تتناول العشاء معي وهو لا يزال دافئًا”.

فتحت الملف، ورأيت صورًا لها وهي تخرج من البنك، تشتري صناديق، وترسل طرودًا.. لا شيء يثير الريبة إلا إذا كنت تعرف كيف تبدو ملامح الوداع الأخير. ثم لفت انتباهي تاريخ محدد مخفي في رسالة قديمة أرسلتها لي منذ سنوات، تاريخ لم يكن يفصلنا عنه سوى ثلاثة أيام: **17 يونيو**.

انقبض صدري ونهضت مسرعًا نحو مكتبها القديم الذي لم أفتحه منذ سنوات. في الداخل، وجدت قصاصات ورق، ودفترًا صغيرًا، وصورة من شهر عسلنا في تلك القرية الساحلية البسيطة. قلبت الصورة، ووجدت بخط يدها الرقيق الكلمات التالية:

*”17 يونيو—اليوم الذي وعدتني فيه ألا تصبح أبدًا رجلًا لا يمكن الوصول إليه”.*

جلست على الأرض.. ليس رغبةً مني، بل لأن ساقيّ لم تعد تقويان على حملي.

في تلك الليلة، قدت سيارتي بنفسي إلى القرية الساحلية. دون حراس، ودون **مروان**. ومع شروق الشمس، ظهر البحر أمامي رماديًا ولا متناهيًا.

ركنت سيارتي أمام الكوخ الصغير الذي استأجرناه معًا في شهر العسل. كان المكان خاليًا، ولكن على طاولة المطبخ، وجدت مظروفًا كُتب عليه اسمي القديم الذي لم ينادني به أحد منذ سنوات: “طروقة”.

فتحت المظروف بوجدان مرتعش، وكان بداخله ورقة واحدة:

*”إذا كنت تذكرت حقًا.. فاذهب إلى المكان الذي أخبرتك فيه لأول مرة أنني أحبك”.*

عرفت المكان فورًا.. المنارة.

كانت تقع على بعد ميلين شمالاً فوق صخور يضربها الموج. كانت **ندى** وقتها في السادسة والعشرين من عمرها، تضحك والريح تعبث بشعرها وهي تصرخ في وجه العاصفة: “أنا أحبك!”. وكنت أظن واهمًا أن الحب يمكنه البقاء بالرغم من الإهمال. كنت مخطئًا.

مشيت في الطريق الموحل نحو المنارة، وفي منتصف التل.. رأيتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *