قلت بصوت مرتجف: “كنتِ حاملاً؟” أومأت برأسها.

“متى؟”

“في الليلة التي تغيبت فيها عن الحفل الخيري للمستشفى.. الليلة التي أرسلت فيها مجوهرات كاعتذار وقلت إنك ستعوضني”.

تذكرت تلك الليلة.. تذكرت العذر الذي تختلقه دائمًا؛ اجتماع عمل، صفقة، رجال يحتاجون لرؤيتي قويًا.

قالت بصوت باكٍ: “كنت سأخبرك في تلك الليلة، لكني رأيت صور تلك المرأة وهي تخرج من سيارتك أمام الفندق.. ولم تكن المرة الأولى”.

نظرت إلى ابنتي.. ثلاث سنوات من عمرها مرت دون وجودي؛ خطواتها الأولى، كلماتها الأولى، أول عيد ميلاد لها.. فاتني كل شيء لأنني خلطت بين السيطرة والحماية، وبين المال والمودة.

خطوت خطوة نحوها، لكن يد **ندى** أوقفتني برفق: “على مهلك.. **إليانا** لا تعرف من أنت”.

نزلت الكلمة على راسي لتكسر كبريائي بالكامل.

انحنت **ندى** بجانب الطفلة وقالت بلطف: “حبيبتي **إليانا**، هذا **طارق**”.

لم تقل لها “هذا والدكِ”، بل قالت “**طارق**”.. وكنت أستحق ذلك.

نظرت إليّ الطفلة ثم رفعت أرنبها وقالت: “إنه مبتل من المطر”.

جثوت على ركبتي في الطين—أنا صاحب النفوذ والمال، وقفت كالمخطئ أمام ابنتي، وأخذت الأرنب المبتل كأنه تاج مقدس، وقلت بصوت متحشرج: “يمكنني إشاحته وتجفيفه لكِ”.

نظرت الطفلة إلى أمها تأخذ الإذن، فأومأت **ندى** برأسها. عندها فقط خطت ابنتي نحوي وقالت: “أنت تبدو حزينًا”.

نظرت إلى **ندى** التي دارت وجهها تخفي دموعها، فقلت للطفلة: “نعم، أنا حزين.. لأنني وجدت شيئاً غاليًا وثمينًا جدًا كان يجب عليّ أن أحافظ عليه وأرعاه بشكل أفضل”.

لمست الطفلة كم معطفي بأصبعها الصغير، وكانت حركتها بريئة وعفوية لدرجة جعلتني أنسى كيف يتنفس الناس من فرط التأثر. ابنتي موجودة، وزوجتي حية.. الأثر لم يقدني إلى نهايتي، بل قادني إلى فرصة ثانية.

وقفت **ندى** وأخرجت أوراقًا من معطفها، ف تراجعت فرحتي وسألتها: “ما هذا؟”

مدت يدها بها وقالت: “هذه شروط رعاية الطفلة وحق الرؤية”.

“لا تفكّري في حرماني منها!”.

“أنا لا أحرمك منها يا **طارق**، بل أنا أحميها من عالمك الصاخب والمليء بالمخاطر”.

“عالمي يمكن أن يتغير!”.

“حقًا؟ وإلى متى؟ إلى أن يهددك أحد؟ إلى أن يناديك العمل والنفوذ وتدفع ابنتنا ثمن اسمك؟”

لم أجد ردًا سريعًا، فأومأت برأسها كأن صمتي أكد مخاوفها. وقالت: “أنا لا أطلب منك الاختفاء من حياتها، أنا أطلب منك أن تكتسب وتستحق مكانًا فيها”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *