كشف فساد الشرطة ٢- محمد نور
مشيتُ نحو الحديقة الخلفية، حيث ملأت رائحة الياسمين المشرق والعشب المقصوص حديثاً الهواء. وهناك، جائثية بجوار حوض زراعي لثمار الطماطم الوفيرة، كانت أمي.
كان التحول الجسدي إعجازياً بكل المقابلات. التورمات الداكنة والمؤلمة التي شوهت وجهها اختفت تماماً، واستُبدلت بالتوهج الدافيء والصحي لبشرة لثمتها الشمس. وكان الرافض الهيكلي قد أُزيل منذ أشهر؛ وبفضل العلاج الطبيعي المكثف، التأمت ترقوتها المكسورة بنقاء، مما سمح لها بالعمل في حديقتها المحبوبة بالنفس والقوة والحيوية التي كانت تمتلكها لعقود.
وعند سماع خطواتي على الطريق الحصوي، التفتت وحجبت عينها عن شمس الظهيرة الساطعة قبل أن تضيء وجهها ابتسامة رائعة وجميلة. وقفت، ومسحت قفازات البستنة على مئزرها الجينز، ومشيت نحوي بذراعين مفتوحتين على وسعهما.
قالت أمي وهي تلف ذراعيها حول كتفي في عناق عميق ودافئ لا يحمل أي أثر متبقٍّ للهشاشة أو الخوف:
— “فريدة، يا حبيبتي… لقد أتيتِ في الوقت المناسب تماماً. الشاي المثلج معد حديثاً، وفطيرة الخوخ خرجت للتو من الفرن.”
قلتُ وأنا أحتضنها بقوة، حاسةً بالإيقاع الثابت والمريح لضربات قلبها ضد صدري:
— “رائحتها مذهلة يا أمي.”
مشينَا معاً نحو الفناء الظليل المطل على التلال الخضراء المتموجة للمزرعة، وجلسنا على الكراسي الهزازة المريحة المصنوعة من الخيزران. وعلى الطاولة، استقرت صورة مؤطرة لوالدي الراحل، بوجبه الفخور والمبتسم وهو يراقب الأرض التي عمل بجد للحفاظ عليها لعائلته.
قالت أمي بهدوء وهي تسكب كوبين من الشاي المثلج، وصوتها هادئ وخالٍ من الألم الحاد الذي كان يرافق اسمه عادةً:
— “تلقيتُ رسالة من محامي جلال بالأمس… لقد نُقِل إلى مخيم احتجاز مخفف الحراسة في بنسلفانيا. وهو يعمل حالياً في مكتبة السجن ويحضر جلسات إرشاد نفسي كل أسبوع. وقد كتب رسالة من ثلاثين صفحة يعتذر فيها عن كل ما فعله.”
سألتُها برفق وأنا أرشف من الشاي البارد:
— “هل تريدين الرد عليه؟”
نظرت أمي إلى الحديقة المضاءة بنور الشمس، واستقر سلام عميق لا يتزعزع على ملامحها المجهدة. مدّت يدها عبر الطاولة الصغيرة ووضعت يدها الدافئة والقوية فوق يدي.
قالت بصوت خفيض، والحكمة اللطيفة تلمع في عينيها:
— “ليس بعد… فالمغفرة تتطلب وقتاً، والعدالة تطلبت انضباطاً. لكن الآن، وأنا أجلس هنا على الأرض التي بناها والدكِ، مع الابنة التي حاربت عبر الظلام لإنقاذ حياتي… لدي كل ما يمكن أن أحتاجه على الإطلاق.”