لقاء في الطائرة ج١- محمد نور

خرجت الكلمات مني كالصاروخ، فعمّ الصمت الطائرة بأكملها.

وأخيراً… وقف طارق.

خلع نظارته الشمسية.

وتوقف الزمن!

تغيرت ملامحه بسبب اللحية، وخسارته لبعض الوزن، والتجاعيد الخفيفة حول عينيه جعلته يبدو أكبر سناً… لكنه كان هو!

العيون ذاتها.

الانحناءة ذاتها في أنفه.

والأثر الصغير في حافبه الأيمن إثر حادثة دراجة في طفولته.

حدّق فيه إياد: “بابا؟”

نظر طارق إلى ابننا. ولثانية واحدة، انكسر شيء بشري في ملامح وجهه… ألم، تمييز، ورائحة حب قديم.

ثم اختفى كل شيء.

قال بصوت جاف: “اسمي دانيال.”

بدأ إياد بالبكاء، ليس بصوت عالٍ… بل كان يبكي بصمت وتتساقط الدموع على خديه وهو ينظر إلى الأب الذي علّمه يوماً كيف يركب الدراجة، والحديث عن المستقبل، ووعده ألا يفوت عيد ميلاده أبداً.

همس إياد: “لقد قلت إنك ستعود…”

تشنج وجه طارق.

وقفت المرأة: “ما الذي يحدث هنا؟”

أمسك ذراعها: “فاطمة، اجلسي.”

دفعت يده: “من هذا الطفل؟”

“إنه متلخبط.”

صرخ إياد: “أنا لستُ متلخبطاً!”

تدخل أفراد الطاقم بيننا، بينما كانت فاطمة تنظر إلى طارق برعب متزايد: “دانيال، أجبني!”

جاء صوت الكابتن عبر مكبرات الصوت يطلب من الجميع الالتزام بمقاعدهم بسبب مطبات جوية متوقعة.

أعادتني المضيفة للوراﺀ، وظلت فاطمة واقفة تنظر إلى إياد، ثم نظرت إلى الصورة التي ما زالت معروضة على شاشة هاتفي، وفغرت فمها من الصدمة.

تحدث طارق بسرعة: “فاطمة، هذه صورة قديمة، أستطيع الشرح…”

“كم عمر هذه الصورة؟”

لم يجب.

“كم عمر هذا الولد؟”

قلتُ لها: “تسع سنوات.”

نظرت فاطمة إلى طارق: “لقد أخبرتني أنك لم تتزوج ولم تنجب من قبل!”

أغمض عينيه.

اهتزت الطائرة وهز الجرس المنذر، وأمرتنا المضيفة بحزم بالجلوس.

عدتُ إلى مقعدي لأنني لم أستطع المخاطرة بسلامة إياد، لكنني أبقيت عينيّ على الستارة.

اختفى طارق خلفها، واختفت فاطمة أيضاً.

طوال الدقائق الأربعين التالية، لم يتكلم إياد كلمة واحدة. انكمش على نفسه بجوار النافذة، ممسكاً ببوصلة فضية صغيرة كان طارق قد أهداها له في عيد ميلاده السادس، وكان يحملها معه في كل مكان.

كان الحفر على ظهرها يقول: «إلى إياد… حتى تجد طريقك إلى المنزل دائماً. مع حبي، والدك.»

كرهت طارق بسبب تلك البوصلة الآن. كرهته على كل وعد تركه خلفه وغدر به.

اهتز هاتفي. وصلتني رسالة من رقم مجهول:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *