لقاء في الطائرة ج١- محمد نور

همس: “إنه هو.”

ضممته إلى صدري: “أعلم.”

كانت هذه أول مرة أقول فيها هذه الكلمات بصوت عالٍ. وفي اللحظة التي نطقت بها، تحول حزن ثلاث سنوات إلى شيء جديد تماماً… تحول إلى غضب عارم.

تذكرتُ مراسم العزاء.

التابوت فارغ.

الصورة الموضوعة في إطار محاط بالزهور البيضاء.

تذكرتُ والدته وهي تنهار بين ذراعي عندما طلب منا الشيخ الصبر والاحتساب.

تذكرتُ المعاملات الرسمية وتوقيع الأوراق وأنا أرتجف، وتذكرت إياد عندما يستيقظ في منتصف الليل ليسألني إن كان والده قد شعر بالخوف لحظة الغرق، وتذكرتُ بيع منزلنا القريب من البحر لأننا لم نعد نتحمل صوت الأمواج ولا العواصف.

كل ذلك الألم…

كل تلك الدموع…

وكان طارق على قيد الحياة!

يجلس في درجة رجال الأعمال، يرتدي نظارة شمسية فاخرة، بجوار امرأة أخرى!

فتحت الستارة، وعادت المضيفة مع أحد أفراد طاقم الطائرة.

قالت بصوت خفيض: “سيدة سارة… المسافر يسافر تحت اسم (دانيال).”

لم يعنِ لي الاسم شيئاً، لكن ملامح وجهها كانت تؤكد أنها هي الأخرى لم تصدق ادعاءه.

وأضاف الموظف: “لقد قدم وثائق إثبات شخصية رسمية، ولا يمكننا إجباره على التحدث إليكِ.”

“إذن أسألوه لماذا يحمل نفس الندبة التي على يد زوجي؟”

خفضت المضيفة صوتها: “هو يقول إنه لا يعرفكِ.”

أصدر إياد صوتاً مكسوراً.

وقفتُ قبل أن يتمكن أحد من إيقافي، فرفع الموظف يده: “سيدتي، عليكِ البقاء في مقعدكِ.”

“لا!”

“سيدة سارة…”

“ابني عاش ثلاث سنوات يعتقد أن والده مات غرقاً! ذلك الرجل أدار رأسه ورآنا وركبه الرعب! لن أجلس هنا وأتظاهر أن كل شيء طبيعي!”

بدأ العديد من المسافرين القريبين منا يتابعون الموقف، وظهرت الهواتف، وسرت الهمسات في الكابينة.

التفتت المرأة ذات الشعر الأشقر في درجة رجال الأعمال، وتحولت نظراتها مني إلى إياد، ثم إلى الرجل الذي بجانبها، ورأيت الحيرة ترتسم على وجهها.

ناديت بأعلى صوتي: “طارق!”

لم يتحرك الرجل.

“طارق!”

تصلبت كتفاه… وكان ذلك كافياً.

التفتت المرأة الأشقر نحوه بالكامل: “دانيال؟”

مال نحوها وقال شيئاً لم أتمكن من سماعه، فابتعدت عنه وقوقالت: “من هذه؟”

لم يجيبها.

تقدمتُ نحو الستارة، فاعترض الموظف طريقي: “سيدتي، أرجوكِ اجلسي الآن.”

“زوجي يقف هناك!”

“أنتِ تسببين إزعاجاً للمسافرين.”

“زوجي الميت يقف هناك!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *