لقاء في الطائرة ج١- محمد نور

كان يبدو غريباً تماماً.

أو على الأقل، هذا ما كان يفترض أن يكون عليه.

وفجأة… مدّ يده ليتناول كأساً.

وهناك رأيتها!

الندبة.

ندبة متعرجة واضحة على ظهر يده اليسرى.

الندبة ذاتها التي أصيب بها طارق أثناء إصلاحه لمرسى القارب في إحدى عطلاتنا الصيفية. أتذكر تماماً كيف ضمّدتُ ذلك الجرح بنفسي بينما كان يضحك ويخبرني أن كل ندبة تحمل خلفها حكاية.

تجمدت الدماء في عروقي.

همستُ بذهول: “لا… مستحيل.”

وفجأة، أدار الرجل رأسه ببطء.

ولثانية واحدة مرعبة، التقت أعيننا من فوق إطار نظارته الشمسية… وكانت نظرة الرعب والمفاجأة في عينيه كافية لتخبرني أنه عرفني أيضاً.»

توقف كأسه في منتصف الطريق إلى فمه.

واستمرت المرأة الأنيقة التي بجانبه في الحديث، غير مدركة أن “الميت” قد نظر للتو مباشرة إلى عائلته التي تركها وخلفها وراءه.

ثم أدار الرجل وجهه بعيداً.

ليس ببطء.

ولا بعفوية.

بل أمال وجهه بسرعة نحو النافذة وكأن السحاب في الخارج أصبح فجأة أمراً مثيراً للإهتمام.

بدأت يداي ترتجفان.

همست لإياد: “ابقَ هنا”.

أمسك بكمي بقوة: “أمي، لا تتركيني”.

“سأبتعد بضع خطوات فقط.”

“لا،” انكسر صوته، “ماذا لو اختفى مجدداً؟”

وقعت كلماته عليّ كالصاعقة.

أمسكت بيده وعدت به نحو مقاعدنا، ولكن بدلاً من الجلوس، ضغطتُ على زر استدعاء المضيفة.

أقبلت إحدى المضيفات بابتسامة عملية: “هل كل شيء على ما يرام؟”

حاولت الحفاظ على ثبات صوتي: “الرجل في الصف الأخير من درجة رجال الأعمال… صاحب القبعة. هل يمكنك إخباري باسمه؟”

تغيرت ملامحها فوراً: “أعتذر منكِ يا سيدتي، لا يمكننا الإفصاح عن بيانات المسافرين.”

“أعتقد أنه زوجي.”

رمشت بذهول.

“زوجي أُعلنت وفاته رسمياً قبل ثلاث سنوات.”

نظرت المضيفة نحو درجة رجال الأعمال ثم عادت تنظر إليّ: “أفهم أن هذا الأمر محزن، لكنني لا أستطيع…”

“أرجوكِ.” سحبت هاتفي بأصابع ترتجف فتحت صورة قديمة.

كانت تظهر طارق وهو يقف في حديقة منزلنا، يضحك بينما يجلس إياد على كتفيه. كان شعره أقصر حينها، ولم تكن لديه لحية، لكن ملامحه لا يمكن أن تخطئها عين.

تأملت المضيفة الصورة، وزالت ابتسامتها الدبلوماسية، ثم نظرت نحو الرجل مجدداً، وقال بهدوء: “أرجو منكِ البقاء في مقعدكِ.”

مشت للأمام واختفت خلف الستارة الفاصلة.

جلستُ بجوار إياد الذي كان شاحباً وشديد التوتر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *