سر العشرون ريال - محمد نور «يا سيدي، إنك تترك نفس العشرين ريالاً كل صباح منذ ما يقرب من عام كامل!» ابتسمت النادلة الشابة وهي ترفع الورقة النقدية المطوية بعناية. «لا بد أن أسألك.. لماذا عشرون ريالاً بالذات؟» نظر إليها رجل الأعمال الأنيق لبرهة طويلة دون أن يجيب. بدلاً من ذلك، اكتفى بابتسامة هادئة، ثم حمل كوب قهوته وسار نحو الباب. وقبل أن يخرج، التفت إليها وقال بصوت خفيض: «في يوم ما يا مريم.. سأخبرك.» تابعت خطواته وهي تراه يختفي خلف الأبواب الزجاجية، ولم يخطر ببالها قط أن الإجابة عن هذا السؤال البسيط ستكشف عن وعدٍ قُطع منذ سنوات طويلة.. وعدٍ غيّر حياة كل منهما إلى الأبد. كانت **مريم** تعمل في مقهى "الحارة" منذ نحو عامين. وهي في سن الرابعة والعشرين، كانت توفق بين عالمين مختلفين تماماً؛ ففي النهار، تعمل كنادلة تستقبل الزبائن بابتسامة دافئة مهما بلغ بها التعب، وفي المساء، ترتاد كلية التمريض، مصممةً على الحصول على شهادتها لتصبح يوماً ما ممرضة في قسم الأطفال. لم تكن حياتها سهلة، لكنها رفضت الاستسلام للحلم الذي طالما حملته في قلبها منذ أن كانت طفولة صغرى. في كل صباح، وقبل أن تبدأ زحمة الإفطار، كان هناك زبون واحد يصل دائماً في تمام الساعة السابعة والربع. كان اسمه **زياد**. رجل مؤدب، أنيق الثياب، وهادئ بشكل لافت. كان يختار دائماً الطاولة نفسها المطلة على الشارع، يطلب قهوة سوداء وقطعة خبز محمص بالزبذة، ويشكر مريم في كل مرة تقدم له الخدمة، ولا يبقى أبداً أكثر من عشرين دقيقة. ثم، وقبل أن يغادر مباشرة، يضع ورقة من فئة العشرين ريالاً بجانب كوب القهوة الفارغ.. كل صباح دون استثناء. في البداية، ظنت مريم أنها مجرد عادة سخية منه، لكن بعد أشهر من رؤيته يترك المبلغ نفسه بالضبط—لا يزيد ولا ينقص—لم تستطع منع نفسها من التساؤل عن السر. «لقد وصل مجدداً!» همست إحدى زميلاتها بابتسامة خبيثة. «زبونك المفضل!» ضحكت مريم وهي تحمل إبريق القهوة: «إنه ليس مفضلاً لدي!» مازحتها زميلتها: «حقاً؟ إذن لماذا تبتسمين دائماً في اللحظة التي يدخل فيها من الباب؟» دحرجت مريم عينيها بمرح، رغم أنها لم تستطع إخفاء الابتسامة على وجهها: «أنا أبتسم لكل الزبائن.» ضحكت زميلتها: «ولكن ليس بتلك الطريقة!» وقبل أن تجيبها مريم، رنّ الجرس المعلق فوق باب المقهى. لم تكن بحاجة للنظر، فقد عرفت فوراً من دخل. في الموعد المحدد تماماً، جلس زياد في مقعده المعتاد بجوار النافذة، وفتح جريدة الصباح بانتظار إفطاره. وكعادتها، توجهت مريم نحوه حاملة كوباً طازجاً من القهوة السوداء قبل أن يطلب حتى. «تذكرتِ طلباتي؟» قال زياد وهو يبتسم. أجابته مريم بمرح: «إنك تطلب الإفطار نفسه كل صباح منذ عام تقريباً! سأكون نادلة سيئة للغاية إن نسيت.» ضحك بصوت خفيض: «هذا صحيح.» بعد بضع دقائق، عادت ومعه الخبز المحمص. «هل أمامك يوم حافل؟» سألته. أجاب زياد: «كالمعتاد.. اجتماعات، مكالمات هاتفية، ورسائل بريد إلكتروني لا تنتهي.» ضحكت مريم: «يبدو الأمر مرهقاً.» «هو كذلك بالفعل.. ولهذا السبب أحرص على التوقف هنا أولاً.» نظرت مريم حولها في المقهى الدافئ قبل أن تسأله: «ولماذا هذا المكان بالذات؟» «لأنه يبعث على الطمأنينة، ويذكرني بأن الحياة لا ينبغي أن تكون متسرعة دائماً.» لسندة قصيرة، ساد الصمت المريح بينهما، قبل أن يقطعه صوت زبون آخر ينادي اسم مريم. «عذراً، عليّ العودة إلى العمل،» قالت له. «بالتأكيد.» وعندما أنهى زياد إفطاره، أخرج محفظته، ووضع قيمة الحساب على الطاولة، ثم وضع بجانب الفاتورة ورقة نقود أخرى مطوية بعناية من فئة العشرين ريالاً. «أتمنى لك يوماً جميلاً يا مريم.» «ولك أيضاً يا سيد زياد.» راقبت خروجه، ثم رفعت الإكرامية كما تفعل في كل صباح.. عشرون ريالاًبالتمام والكمال. ابتسمت لنفسها وهي تضع الورقة في جيب مئزرها وتهملس: «في يوم ما.. سأعرف السر خلف ذلك.» مرّت الأيام بطيئة ثم تحولت إلى أسابيع، وقبل أن يدرك أي منهما، أصبحت أحاديثهما الصباحية جزءاً أساسياً من روضتهما اليومي. «صباح الخير يا سيد زياد،» حَيّته مريم وهي تسكب القهوة في كوبه. «صباح النور يا مريم. كيف تسير دراستك؟» رفعت رأسها بتفاجؤ: «هل تتذكر أنني في كلية التمريض؟» ابتسم زياد وقال: «لقد ذكرتِ لي الأسبوع الماضي أن لديكِ امتحان علم وظائف الأعضاء.» قالت بفخر: «لقد اجتزته!» رد بثقة: «كنت أعلم أنكِ ستفعلين.» ضحكت مريم: «إنك تثق بي أكثر من ثقتي بنفسي!» «لقد تعلمت أن الأشخاص الذين يعملون بجد مثلكِ ينجحون دائماً.» بقت كلماته تتردد في ذهنها طويلاً بعد أن ابتعدت لخدمة طاولة أخرى. سرعان ما امتلأ المقهى بزحمة الصباح، ولكن من وقت لآخر، كان زياد يلاحظ مريم وهي تساعد رجلاً مسناً في حمل صينيته، أو تستمع بصبر لطفل صغير محتار في اختيار فطوره، وتستقبل الجميع بابتسامة دافئة. لم تكن تعامل الناس بلطف لأنها وظيفتها فحسب، بل لأن هذا هو طبعها الأصيل. وعندما أنهى زياد إفطاره، وقف مغادراً: «بالتوفيق في دروسكِ الليلة.» «شكراً لك.» «ولا تدرسي حتى وقت متأخر جداً.» ابتسمت مريم: «سأحاول.» وكالعادة، ترك الحساب وورقة أخرى مطوية بعناية من فئة العشرين ريالاً. راقبته وهو يخرج، ثم هزت رأسها بابتسامة خفيفة وطلبت في سرها: «ما زلت لا أفهمك يا سيد زياد.. لكني بدأت أظن أن هناك قصة خلف هذه العشرين ريالاً.» بعد بضعة أيام، كان المقهى هادئاً على غير العادة. لم يكن هناك سوى عدد قليل من الزبائن، مما منح مريم فرصة نادرة للتنفس. وأثناء إعادة سكب القهوة لزياد، لاحظ كتاباً دراسياً ضخماً موضوعاً أسفل الطاولة: «التمريض؟» سألها ممتعضاً بطرف عين نحو الكتاب. ابتسمت مريم: «نعم، الامتحانات النهائية على بعد أسابيع قليلة.» «هل أنتِ متوترة؟» اعترفت: «قليلاً.. هناك الكثير لأحفظه، وأتساءل أحياناً إن كنت أدرس بما فيه الكفاية.» نظر إليها زياد لبرهة قبل أن يقول: «مما رأيته، أنتِ لا تفعلين أي شيء بنصف إتقان. أظن أنكِ ستكونين بخير.» ضحكت بنعومة: «أنت تتقن تشجيع الآخرين بحق.» «أنا أقول الحقيقة فقط.» ولأول مرة، شعرت مريم بالخجل واحمرار وجنتيها: «شكراً لك.» في تلك اللحظة، ناداها الطباخ من المطبخ، فقالت: «عليّ العودة للعمل قبل أن يظن مديري أنني أخذت استراحة قهوة إضافية!» ابتسم زياد: «لا أريد أن أتسبب لكِ في مشاكل.» استدارت لترحل، ثم التفتت مجدداً: «آه.. وشكراً لك مجدداً.» «على ماذا؟» «لأنك تؤمن بي.» أومأ لها زياد برأسه: «أحياناً، كل ما يحتاجه الإنسان هو شخص واحد يثق بقدرته على النجاح.» في الأسبوع التالي، دخل زياد المقهى في موعده المعتاد. وقبل أن يصل إلى طاولته المفضل، استقبلته مريم بابتسامة مشرقة. «صباح الخير يا سيد زياد.» «صباح النور يا مريم.» ثم لاحظ مظاهر التعب على وجهها: «تبدين مرهقة اليوم.» ضحكت خفيفة: «بقيت مستيقظة حتى الواحدة صباحاً أدرس.» «ظننت أن امتحاناتكِ ما زالت بعد أسابيع؟» «بالفعل، ولهذا السبب أدرس بجد من الآن، لا أريد تراكم المواد في اللحظات الأخيرة.» أومأ زياد بإعجاب: «خطة ذكية.» قالت مريم وهي تسند يدها على الطاولة: «آمل فقط أن يثمر كل هذا الجهد.» قال زياد بثقة: «سيثمر بالتأكيد.» «ما الذي يجعلك واثقاً هكذا؟» «لأنني في كل صباح أدخل فيه هنا، أجدكِ تبتسمين قبل أن تفتح الأبواب حتى. تعملين مناوبة كاملة، ثم تقضين مساءكِ في الدراسة.. الأشخاص بهذا القدر من الإصرار يحققون أحلامهم عادة.» لم تملك مريم إلا أن تبتسم: «أنت تعرف دائماً كيف تقول الكلام المناسب.» «لقد حظيت بمعلمين جيدين في الحياة.» استأذنت مريم للعودة للعمل، وقبل أن تبتعد، ناداها زياد: «مريم.. عندما تصبحين ممرضة يوماً ما..» قاطعته بضحكة: «تقصد *إذا* أصبحت ممرضة؟» هز رأسه ناهياً: «بل *عندما* تصبحين.» لسكونٍ قصير، طالعها بثقة جعلتها تصدق نفسها أكثر. في الصباح التالي، نظرت مريم إلى الساعة: 7:10 صباحاً. في 7:15 رنّ جرس الباب.. ودخل زبون، لكنه لم يكن زياد! بحلول 7:40، كانت طاولته فارغة. تملكها القلق، فلأكثر من عام لم يتأخر قط. عندما قلّت الزحمة، رن الجرس مجدداً. رفعت رأسها لتجده أمامها. قال زياد باعتذار: «أسف جداً على التأخير، امتد أحد الاجتماعات أكثر مما توقعت.» تنفست مريم الصعداء بابتسامة لم تستطع إخفاءها: «بدأت أظن أن مكروهاً أصابك!» نظر إليها بابتسامة حنونة: «أنا متأثر لاهتمامكِ.» شعرت بالخجل وقالت: «بصراحة.. الطاولة كانت تبدو وحيدة بدونك.» ضحك بصوت خفيض: «سأحرص على ألا أخذلها مجدداً.» في بعد ظهر اليوم التالي، غادرت مريم المقهى مبكراً لتقضي ساعات في المكتبة العامة. وأثناء سيرها، توقفت حركة المرور فجأة واصطفت سيارات سوداء فاخرة أمام أطول برج شركات في الشارع. ترجل رجال ببدلات رسمية وفتحوا باب السيارة الأولى.. ولدهشتها، خرج زياد! صافحه رجال الأعمال باحترام شديد وهم يتبعونه إلى داخل البرج. قالت امرأة تقف بجوار مريم لصديقتها: «هذا زياد الماجد.. أحد أصغر المليارديرات في البلاد!» اتسعت عينا مريم: «ملياردير؟!» تذكرت سكونه، وبدلاته الفاخرة، وساعته الثمينة التي لم يتفاخر بها قط. ورغم كل ثرائه، لم يذكر يوماً من يكون. في الصباح التالي، وصل زياد في 7:15. قدمت له القهوة وقالت: «صباح الخير يا سيد زياد.. أو يجب أن أقول: يا سعادة الملياردير؟» ابتسم زياد: «إذن، اكتُشف السر!» «لم تذكر لي ذلك قط.» «أنتِ لم تسألي أبداً!» ضحكا معاً، وعندما وضع ورقة العشرين ريالاً كالعادة، سألته مريم بنبرة جادة هذه المرة: «هل لي أن أسألك أخيراً.. لماذا عشرون ريالاً بالذات كل صباح؟» اختفت الابتسامة من وجهه، وتنفس ببطء ثم قال: «لأن هذه العشرين ريالاً غيّرت حياة أمي.» ساد الصمت، وتابع زياد بصوت خفيض: «عندما كنت في الثامنة، توفي والدي. اضطرت أمي للعمل في وظيفتين لتربيتي، إحداهما كانت في مقهى صغير يشبه هذا تماماً. في أحد أسراب الشتاء القاسية، تراكمت علينا الديون، وكانت أمي تتظاهر بأنها ليست جائعة لآكل أنا.» ترقرقت الدموع في عيني مريم وهو يكمل: «في أحد الصباحات، ترك زبون إكرامية بقيمة 20 ريالاً. وفي الصباح التالي كررها.. واستمر على ذلك. تلك المبالغ البسيطة أنقذتنا، واشترينا بها الطعام ودفعنا الإيجار. وقبل وفاة أمي، جعلتني أوعدها وعداً..» «ما هو الوعد؟» «قالت لي: *إذا أنعم الله عليك يوماً، فلا تنسَ أبداً ما يمكن أن تفعله لفتة لطف صغيرة في حياة إنسان.* ولهذا، عندما نجحت في حياتي، عدت إلى مقهى يشبه الذي عملت فيه أمي.. وأترك هذه العشرين ريالاً كل صباح، ليس لأنها مبلغ كبير، بل لأنها كانت تعني لنا الحياة بأكملها يوماً ما.» مسحت مريم دمعة سالت على خدها، ومدت يدها لتضعها فوق يده بتقدير عميق. مرت أشهر.. وتخرجت مريم من كلية التمريض بمرتبة الشرف. وكما وعدها، كان زياد يبتسم بين الحضور ويصفق لها بحرارة. ومع الأيام، نمت صداقتهما لتتحول إلى عاطفة أعمق. وفي أحد صباحات الخريف، وصل زياد إلى المقهى قبل الجميع، وعندما قدمت له مريم القهوة، وضع الورقة النقدية كالعادة، ثم وقف ونظر في عينيها مباشرة: «هذه العشرين ريالاً تذكرني دائماً من أين بدأت.. وتذكرني بأن اللطف يغير الحياة. ومعرفتي بكِ علمتني أن اللطف قد يقودك أيضاً إلى الشخص الذي تُكمل معه حياتك.» تجمعت الدموع في عيني مريم: «زياد..» جثا على ركبة واحدة وفتح علبة مخملية تحتوي على خاتم ألماني يلمع: «مريم.. هل تقبلين الزواج بي؟» وسط دموع الفرح والذهول، أومأت برأسها: «نعم! أقبل بالتأكيد!» تعالت تصفيقات الزبائن وعمال المقهى، بينما كان زياد يلبسها الخاتم. نظرت مريم إلى ورقة العشرين ريالاً المستقرة على الطاولة.. لقد بدأت كسرٍّ غامض، وتحولت إلى وعد، وانتهت بأجمل هدية قد يحظى بها كلاهما: حبٌّ أساسه اللطف، والامتنان، والمواقف البسيطة التي تغير مجرى الحياة إلى الأبد. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد