حماتي – محمد نور

ثم تبدأ بالتنهد كأنها ممثلة تراجيدية في فيلم قديم، وتمسح طرف عينيها الجافتين، بينما يقف طارق مذهولاً كرجل سقط في فخ رآه يُبنى أمامه ولم يستطع تفاديه.

لذا، كنا نتحملها في معظم الأوقات.

وكنتُ أنا مَن ينظف.

أنظف الأطباق التي تتركها على طاولات القهوة، وأمسح الدهون التي تناثرت منها على الموقد، وأجمع أغلفة الحلوى التي تسقطها بجانب الأريكة وكأنها تظن سلال المهملات مجرد قطع ديكور! أنظف بصمات الأيدي عن الثلاجة، والبقع اللزجة عن طاولة الطعام، ومرة — دون أدنى مبالغة — نظفت بقعة أحمر شفاه عن منشفة اليدين في حمامي!

كل زيارة كانت تنتهي بتمتمتي بغضب بيني وبين نفسي، وباعتذار طارق عن امرأة لم يخلقها لكنه كان يشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه تصرفاتها.

ثم جاء يوم السبت الماضي.

كان أسبوعاً طويلاً بالفعل. ابني كان لديه مشروع مدرسي يجب تسليمه يوم الإثنين، وابنتي قررت فجأة أنها تكره الرياضيات وتصر على إعلان هذه الحقيقة كل سبع دقائق. أما أنا، فقد قضيت الصباح في تنظيف المطبخ تنظيفاً عميقاً لأننا كنا سنستضيف بعض الأصدقاء على العشاء في اليوم التالي.

كانت الأرضيات معطرة وممسوحة للتو، والأسطح تلمع، والحوض فارغاً تماماً. ولساعة واحدة ساحرة، بدا مطبخي وكأنه صفحة من كتالوج ديكور بدلاً من أن يكون مركز قيادة لعائلة مكونة من أربعة أفراد.

في الساعة 12:30 ظهراً، رن جرس الباب.

نظرتُ عبر النافذة، وكانت هي.. حماتي.

بلا اتصال، وبلا تحذير. تقف هناك ببنطالها البيج وحاملة في يدها طبق “كاسرول” وكأنها تجلب معها المودة لا التوتر.

رأى طارق تعابير وجهي وفهم كل شيء.

قال بهدوء: “أوه لا..”

فتحتُ الباب لأنه لم يكن أمامي خيار آخر، فهل ندعي أننا متنا جميعاً؟

قلتُ لها متفاجئة باسمها وحضورها.

اندفعت إلى الداخل متجاوزة إياي وهي تقول: “لا داعي للشكر، لقد جلبتُ الغداء!”

هكذا أعلنت عن حضورها. لا “مرحباً”، ولا “هل الوقت مناسب؟”.. فقط: “لا داعي للشكر”!

الساعتان التاليتان كانتا شبيهتين بالقتل البطء عبر ألف تصرف صغير من قلة الاحترام.

“ساعدتني” بالسيطرة على مطبخي؛ مما يعني إخراج المكونات التي وضعتها جانباً للتو، واستخدام ثلاثة أوعية في حين كان يكفي وعاء واحد، وترِك قشر البيض على السطح على بعد بضعة سنتيمترات فقط من سلة المهملات!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *