حماتي – محمد نور

بدأت الزيارة بالطريقة المعتادة؛ أثنت على الأطفال بصوت عالٍ، وانتقدت ستائري بصوت خافت، وسألت طارق لماذا يبدو متعباً بنبرة توحي بأنني السبب.

أعددت القهوة، ووضعت المافن، وتصرفت بشكل طبيعي جداً.. ثم انتظرت.

أول شيء لاحظته هو كم كانت حذرة عندما يكون هناك من يراقبها! إذا كنتُ في الغرفة، كانت تمسح الفتات ببطء. وإذا مر طارق، كانت تحمل طبقها إلى الحوض. وإذا جلس الأطفال بجانبها، كانت تستخدم صوت الجدة اللطيف للغاية.

لكن في الدقيقة التي تظن فيها أنها وحدها، كان الأمر يشبه رؤية قناع يسقط عن وجهها!

في تلك الليلة، بعد رحيلها، جلستُ مع طارق على الأريكة وفتحتُ التسجيلات.

في البداية لم يكن هناك شيء.. ثم ظهر كل شيء!

في أحد المقاطع، نظرت حماتي حول المطبخ للتأكد من عدم وجود أحد، ثم غمست أصبعيها في بقعة مربى على طبق، ومسحتهما ببطء عبر السطح النظيف!

قال طارق بذهول: “ما هذا بحق السماء؟!”

وفي مقطع آخر، وقفت عند باب المدخل بعد خروجها “لإحضار شيء من السيارة”، فنظرت إلى حذائها، ثم إلى الأرضية النظيفة، ومشت بطلبات وتكرار عبر المدخل، وهي تضغط الطين داخل البلاط قبل أن تنادي بصوت عالٍ: “أوه! كان عليّ خلع الحذاء!”

وفي مقطع غرفة المعيشة، نزعت غلاف حلوى، ونظرت مباشرة نحو الممر، ثم حشرت الغلاف بين وسادة الأريكة ومقبضها! لم تسقطه مجرد إسقاط.. بل حشرته بعناية كأنها حيوان راكون يخفي مجوهرات مسروقة!

ثم جاء المقطع الذي جعل الدماء تجمد في عروقي..

كنتُ قد مسحت المطبخ في ذلك الصباح. وأظهر الفيديو حماتي تدخل وحدها، وترى لمعان الأرضية الرطبة، فتبتسم!

لم تكن ابتسامة كبيرة، ولا ضحكة.. بل ابتسامة صغيرة، خاصة، ومكتفية جداً.

ثم فتحت الباب الخلفي، وخطت نحو الفناء، وحكّت أسفل حذائها في حوض الزهور، وعادت إلى الداخل!

لتسحب خطاً معوجاً من الطين عبر الأرضية التي نظفتها للتو!

غطى طارق فمه بيده.

أما أنا فكتفيتُ بالحدوق..

لأن الفوضى شيء، وعدم الاحترام شيء آخر.. أما هذا؟ فهذا تعمّد، وهذا استمتاع!

لم تكن مهملة.. لم تكن ناسية.. لم تكن “تقليدية” أو “متمسكة بعاداتها” أو أي من تلك الأعذار الواهية التي يستخدمها الناس عندما يريدون من المرأة أن تبتلع الإهانة وتسميها تحملاً.

كانت تفعل ذلك عن عمد!

تراجع طارق إلى الخلف وهمس: “يا إلهي..”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *