في غرفة الانعاش – محمد نور

في غرفة الانعاش- محمد نور

«لا تدعي هذا الفتى يقترب من حفيدتي، إن رائحته تشبه النفايات!»

أهانته حماتي في صالة الطوارئ دون أن تعلم أنه بعد ثوانٍ قليلة، سيكون هو الوحيد الذي سيلاحظ ما غفل عنه الأطباء بأكملهم.

— «لا تدعوا هذا الصبي يقترب من حفيدتي! رائحته تشبه النفايات!»

تردد صدى صوت “أمينة” بجفاء في ممر طوارئ الأطفال بمستشفى “دار الشفاء” في القاهرة. تجمدت الممرضات في أماكنهن، والتفت رجل الأمن باستغراب، حتى الطبيبان المنكبان على سرير الرعاية المجهزة للأطفال تراجعا خطوة إلى الخلف.

تحت الأضواء البيضاء الساطعة، كانت الرضيعة “سارة”، ذات السبعة أشهر، تئن بلا حركة تقريباً، وصدرها الضئيل يكاد لا يعلو أو يهبط رغم قناع الأكسجين الملتصق بوجهها. وبجوارها، كانت والدتها “مريم” تبكي في صمت، وأصابعها متشنجة على الحافة الحديدية للسرير. أما زوجها “طارق” فكان يذرع الممر جيئة وذهباً بحيرة؛ فهو يدير سلسلة مطاعم وثلاثة فنادق شهيرة في المنطقة، ولديه معارف من كبار المسؤولين ورجال الأعمال، لكن في تلك الليلة، لم يكن بأي اتصال تلفوني أن يعيد الهواء إلى رئة ابنته.

همس “طارق” بنبرة يكسوها الرجاء:

— «دكتور، أخبرني أن هناك أملاً.. ألا يوجد شيء آخر لنفعله؟»

خلع طبيب الأطفال نظارته وأجاب بأسى:

— «التورم يتزايد بسرعة كبيرة، وأشعة X لا تظهر أي جسم غريب واضح. نرجح أنها حالة حساسيات حادة ومفاجئة، أو انسداد في مكان عميق جداً. فريق العناية المركزة في طريقه إلينا، لكن وضعها حرج للغاية.»

كتمت “مريم” شهقة بكاء ممزقة.

في تلك اللحظة بالذات، دخل فتى بخطوات خجولة. كان في الثانية عشرة من عمره، يرتدي سترة فضفاضة، وبنطالاً بالياً عند الركبتين، وحذاءً رياضياً يكاد ينفصل صولجه. وكان يحفظ في يده محفظة جلدية بنية اللون.

اقترب وقال بصوت خافت:

— «يا سيد.. لقد أسقطت هذا أمام المطعم.»

تعرف “طارق” على محفظته في التو؛ فقد سقطت منه قبل ساعات خلال غداء العائلة بمناسبة عقيقة “سارة” في مطعم بالحي القديم. كانت المحفظة تعج بالأموال، والبطاقات، والوثائق الهامة. وقضت العائلة بعد ظهر ذلك اليوم في الاحتفال والتقاط الصور دون أن يدور بخلدهم أن شيئاً قد يعكر صفو تلك الفرحة.

كان اسم الفتى “حمزة”، يعيش مع جدته المسنة “فاطمة” في شقة صغيرة بأحد الأحياء الشعبية البسيطة. يجمع معها الكرتون والأخشاب بعد المدرسة لمساعدتها. كان بإمكانه أخذ الأموال والابتعاد، لكنه تبع “طارق” حتى المستشفى ليعيد الأمانة لأصحابها.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *