في غرفة الانعاش – محمد نور

شحب وجه “أمينة” وغمغمت:

— «كنت أريد فقط أن يكون هذا اليوم مثالياً..»

— «مثالياً للصور!» همس “طارق” بأسى، «لا من أجل “سارة”.»

كشف المنظار أخيراً عن كتلة حمراء مستقرة في مجرى الهواء العلوي، تحركت بسبب محاولات التنفس الصناعي وأحدثت تورماً جعلها شبه خفية.

— «لقد وجدناها،» أعلن الطبيب، «لكنها محشورة بقوة.»

بدأت “مريم” تدعو بصوت خافت، وأمسك “طارق” بيدها. أما “حمزة” فكان يقف عند الجدار وهو يحبس أنفاسه، متذكراً كلام جدته “فاطمة”: “الشجاعة ليست في ألا تخاف، بل في أن تبقى عندما يحتاجك أحدهم”.

فشلت المحاولة الأولى، وانزلقت الخرزة لأسفل قليلاً. اضطرب جهاز المراقبة وصرخت الممرضة:

— «مستوى الأكسجين هبط إلى 58!»

— «استعدوا للأنبوب التنفسي الطارئ!»

وضعت “أمينة” يدها على فمها، ولأول مرة اختفى كبرياؤها تماماً.

غيّر الطبيب زاويته، وثبتت الطبيبة رأس الرضيعة. ظهرت ملقط دقيقة على الشاشة على بعد أجزاء من المليمتر من الخرزة.

— «قليلاً بعد،» زمجر “حمزة” دون أن يشعر، «إنها مفلطحة من جانب واحد!»

سمع الطبيب ملاحظته ودوّر الملقط بحذر.. تحرك الجسم الغريب، ثم اختفى فجأة من الشاشة!

صرخت “مريم”:

— «أين ذهبت؟!»

لم يجبهما أحد. فحص الفريق أنبوب التنفس، والفم، والأغطية.. ربما انزلق الخرز للعمق في الشعب الهوائية. تباطأت دقات قلب “سارة”.

— «إننا نفقدها!» أعلنت طبيبة التخدير.

ضغط “طارق” على يد زوجته بقوة، بينما نظر “حمزة” إلى رقبة الرضيعة ولاحظ مجدداً ذلك البروز الخفيف تحت الفك.

— «لم تنزل لأسفل!» صرخ الفتى، «لقد عادت للأعلى!»

أدخل الطبيب إصبعيه سريعاً، وعدّل وضعية رأس “سارة”، واستخدم الملقط للمرة الأخيرة..

سُمع صوت نقرة صغيرة حادة.

وسقطت خرزة حمراء على الصينية المعدنية.

لكن “سارة” لم تكن تتنفس بعد!

الجزء الثالث

لم يمر سوى شريط من الثواني حتى ساد صمت مطبق..

ثم سعلت “سارة”.

صوت سعلة ضئيل، لكنه كان بمثابة قبلة الحياة. شهقت بقوة، ثم فتحت فمها وأطلقت بكاءً مدوياً ملأ أرجاء الغرفة.

انثنت “مريم” على زوجها “طارق” وهي تبكي بحرقة، ولم يحاول أي منهما إخفاء دموعه. واصلت الممرضات الرعاية، وفحصن الرئتين، وضخن الأكسجين. لقد زال الخطر المفاجئ.. “سارة” على قيد الحياة!

على الصينية، كانت الخرزة الحمراء تلمع تحت الأضواء.. شيء متناهي الصغر، لكنه كان كافياً لتدمير عائلة بأكملها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *