طبق الشوربة- محمد نور
بلع أبو فهد ريقه بصعوبة:
— تم تسريحها يا سيدي.. لقد خالفت الأنظمة وأدخلت رجلاً يبدو كالمتسول إلى صالة الطعام.
اقترب منه سلمان ببطء قاتل:
— نبلها وإحسانها قيمتهما تكمنان في أنها لم تكن تعلم من يكون.
حاول أبو فهد الابتسام بارتباك:
— لقد كان مجرد سوء فهم…
رد سلمان ببرود:
— هذا المبنى مملوك لإحدى شركات العقار التابعة لمجموعتي. وقبل انقضاء ثلاثين يوماً، سيكون المطعم بالكامل ملكاً لي أيضاً. العمال، الطهاة، والمساعدون سيبقون في أماكنهم… أما أنت، فأنت مطرود الآن.
شحب وجه أبو فهد وشخصت عيناه.
أومأ سلمان لرئيس حراسه الشخصيين، “فارس”:
— ابحث عن مريم.
— لنكافئها يا سيدي؟
نظر سلمان إلى أبيه الذي كان يعاود الترديد بأن دكان الورد قد اختفى، ثم قال بصوت خفيض:
— لنحمي حياتها… لقد علم عمي أنها وجدت أبي بمفردها، وأبي لم يخرج من البيت مصادفة اليوم.
ضيّق فارس عينيه:
— هل تعتقد أن أحداً تعمّد إبعاده؟
أجابه سلمان بنبرة حازمة:
— أظن أن أحداً من عائلتنا نفسها.. كان يتمنى أن يموت أبي قبل أن يتمكن من قول ما رآه…
الجزء الثاني
بعد ثلاثة أيام، كانت مريم ما تزال بلا عمل، وتضطر لرهن بروش يدتها الذهبي لتسديد جزء من الإيجار، حين عثر عليها “فارس” في مقهى حيادي. لم يقدم لها سلمان مجرد إحسان، بل دعاها لإدارة “ملتقى الأفق”، وهو نادٍ خاص يرتاده كبار رجال الأعمال والقضاة. تشككت مريم في العرض، لكنها اشترطت القبول: لا إهانة لأي موظف، ولا تحويلات مالية مشبوهة، مع كامل الحرية في الإبلاغ عن أي مخالفة.
في غضون أربعة أسابيع، كشفت مريم اختلاسات في المستودعات، واستبعدت طاهياً يضايق العاملات، ورفعت الأرباح بنسبة 17% دون المساس بالرواتب. بدأ سلمان ينظر إليها باحترام بالغ؛ فجميع من حوله يطيعون بلا نقاش، بينما مريم تطرح الأسئلة. وزاد التقارب بينهما عندما بدأ أبو سلمان بتناول العشاء في النادي. ورغم تخبطه في التواريخ وبحثه المستمر عن زوجته المتوفاة منذ سبع سنوات، إلا أنه كان يمتلك الوعي الكافي ليتعرف على مريم دائماً كـ “فتاة الشوربة”.
ولما رأى سلمان معاملتها لأبيه بكل احترام ودون شفقة مجهزة، كشف لها عن الصراع الذي يمزق أسرته: “خالد الهاشمي”، الشقيق الأصغر لأبي سلمان، كان يسعى لإشهار الحجر على أخيه لانتزاع أسهمه وطرد سلمان من المجموعة. وكانت المشكلة أن خالد اشترى أطباء ومحامين وموظفين قدامى، في حين كان سلمان يخوض المواجهة بنفس أدوات النفوذ التي ورثها. حذرت مريم سلمان من أنه يخلط بين حماية أبيه والتسلط عليه.