طبق الشوربة- محمد نور
في المطبخ، طلبت طبق شوربة دجاج دافئ، وبعض الخبز وكوباً من الشاي بالحليب:
— سجّل الوجبة على حسابي —قالت للطاهي.
وعندما عادت إلى الصالة، اعترض أبو فهد طريقها:
— ألم آمركِ بطرده؟
— سأطعمه أولاً ثم أتصل بالشرطة أو بالجهات المختصة لتحديد مكان عائلته.
أمسك أبو فهد بذراع مريم بضغط شديد:
— أنتِ لا تتخذين القرارات هنا.
نظرت مريم إلى يده الممسكة بها:
— اترك يدي.
— إن قدمتِ له هذا الطعام، يمكنكِ الخروج معه ولن تعودي.
حلّ الصمت على المطبخ. فكرت مريم بإيجار البيت، وبدواء أمها، وبمستقبل أخيها. كان أبو فهد يعلم بكل ذلك، ولهذا السبب تحديداً كان يبتسم بثقة؛ كان موقناً أن الخوف سينتصر.
سحبت مريم ذراعها بقوة، ومشت بثبات نحو الطاولة، ثم وضعت طبق الشوربة الدافئ أمام الشيخ:
— مهلاً يا عمي أبو سلمان، إنه ساخن.
للحظات، اختفى التلعثم والضياع من عينيه، ونظر إليها بصفاء:
— جزاكِ الله خيراً يا بنيتي.. كانت زوجتي تقول دائماً: “من يطعم الغريب لا يموت وحده”.
تنفسّت مريم بعمق، ثم خفعت مئزر العمل ووضعته على المنصة:
— يمكنك تجهيز ورقة استقالتي.
أطلق أبو فهد ضحكة ساخرة قصيرة:
— لن تجدي وظيفة أخرى في هذا الحي بأكمله.
— ربما.. لكنني سأستيقظ غداً وأنا أعرف من أكون.
خرجت مريم تحت المطر المنسكب، وفي جيبها ما تبقى من دنانيرها القليلة، بلا عمل، وبلا أدنى فكرة عن كيفية إخبار أمها بما حدث.
في الساعة الواحدة وربع، توقفت ثلاث سيارات سوداء ضخمة أمام باب المطعم. نزل منها رجال يرتدون أطقم عمل رسمية، ثم خرج من السيارة الوسطى سلمان الهاشمي؛ رجل الأعمال الشهير الذي تسيطر مجموعته على الفنادق، وشركات اللوجستيات، والمقاولات في عدة مناطق.
كانت الصحف تصفه بالثري العصامي، بينما في كواليس العقود الضخمة والمجالس العليا، كان اسمه يُذكر كلما اشتبكت المصالح الكبرى.
هرع أبو فهد نحو الباب متملقاً:
— أهلاً بك يا سلمان بك، شرفتنا…
مرّ سلمان من أمامه دون أن يلتفت إليه. كانت عيناه قد علقتا بالشيخ الجالس قرب المطبخ:
— أباه!
اختفت كل معالم القسوة من وجه سلمان. جثى على ركبتيه فوراً، وأمسك بيد والده المبتلتين، واستمع في صمت تأثر له قلبه إلى قصة الفتاة التي قدمت له طبق الشوربة.
ثم وقف سلمان واستدار بنظرة حادة:
— أين الموظفة التي ساعدته؟