قصة: ثمن طبق الشوربة - محمد نور الجزء الأول لم يكن سعر طبق "شوربة الدجاج" يتجاوز خمسين ريالاً، لكنه قبل أن ينتصف ذلك بعد الظهر، كلّف مريم وظيفتها، وحوّل مطعماً فاخراً في قلب العاصمة إلى ساحة حرب بين شقيقين. في تمام الساعة الحادية عشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة من صباح يوم حزيران الماطر، كانت قطرات المطر تنساب على النوافذ الزجاجية لـ"مطعم الجوزاء"، وهو مطعم راقٍ في أحد أحياء المدينة المترفة. في الصالة، كان رجال الأعمال يتذمرون من درجة طهي اللحم، بينما تلتقط إحدى المؤثرات صوراً لطبقات الحلوى التي لن تذوق منها شيئاً. كانت مريم تقف خلف منصة الاستقبال، تحاول تجاهل الألم في قدميها وعبء المتبقي في حسابها البنكي: ثلاثمائة ريال لا غير. إيجار المنزل متأخر منذ شهرين، ووالدتها بحاجة ماسة لدواء القلب، بينما يهدد شقيقها الأصغر بترك الكلية لأنها لم تعد قادرة على توفير مصاريف تنقله. اقترب أبو فهد، مدير المطعم، وهو يسوي أزرار كمّي بدلته الإيطالية: — الطاولة رقم 8 تنتظر الخبز منذ ثلاث دقائق. هل تنوين العمل اليوم أم ماذا؟ وقبل أن تجيبه مريم، انفتح الباب الرئيسي. دخل رجل طاعن في السن يتكأ على خطواته بصعوبة. كان ثوبه المظلم مبتلاً بالكامل، وغترته ملطخة بالماء، ويداه ترتجفان بشدة لدرجة أنه لم يستطع حلّ أزرار معطفه. جال ببصره في الصالة وكأنه يبحث عن شخص اختفى للتو. سحبت إحدى العميلات حقيبتها الفاخرة ونحّتها جانباً، بينما امتقع وجه أبو فهد قرفاً: — أخرجي هذا الرجل من هنا فوراً. — إنه يرتجف من البرد يا سيدي. — إنه يزعج الزبائن! — ربما تائه... — ربما متسول! ليس شأننا، أخرجيه. حاول الشيخ التقدم خطوة أخرى لكنه فقد توازنه، فهرعت مريم وأمسكت بساعده: — ما اسمك يا عمي؟ — أبو سلمان... — هل جئت مع أحد يا عمي أبو سلمان؟ نظر الشيخ عبر الزجاج إلى الشارع المبتل: — قالت لي زوجتي إنها تنتظرني قرب دكان الورد... لكن الدكان اختفى. انعصر قلب مريم. لقد عاشت جدتها سنواتها الأخيرة وهي تصارع مرض الزهايمر؛ وكان تعرق هذه النظرة جيداً: رعب من يدخل في أزقة الذكريات ولا يجد طريق الخروج. قادته برفق إلى طاولة قريبة من المطبخ، بعيداً عن أعين الزبائن القاسية: — أنت في أمان هنا يا عمي، سأحضر لك شيئاً دافئاً. في المطبخ، طلبت طبق شوربة دجاج دافئ، وبعض الخبز وكوباً من الشاي بالحليب: — سجّل الوجبة على حسابي —قالت للطاهي. وعندما عادت إلى الصالة، اعترض أبو فهد طريقها: — ألم آمركِ بطرده؟ — سأطعمه أولاً ثم أتصل بالشرطة أو بالجهات المختصة لتحديد مكان عائلته. أمسك أبو فهد بذراع مريم بضغط شديد: — أنتِ لا تتخذين القرارات هنا. نظرت مريم إلى يده الممسكة بها: — اترك يدي. — إن قدمتِ له هذا الطعام، يمكنكِ الخروج معه ولن تعودي. حلّ الصمت على المطبخ. فكرت مريم بإيجار البيت، وبدواء أمها، وبمستقبل أخيها. كان أبو فهد يعلم بكل ذلك، ولهذا السبب تحديداً كان يبتسم بثقة؛ كان موقناً أن الخوف سينتصر. سحبت مريم ذراعها بقوة، ومشت بثبات نحو الطاولة، ثم وضعت طبق الشوربة الدافئ أمام الشيخ: — مهلاً يا عمي أبو سلمان، إنه ساخن. للحظات، اختفى التلعثم والضياع من عينيه، ونظر إليها بصفاء: — جزاكِ الله خيراً يا بنيتي.. كانت زوجتي تقول دائماً: "من يطعم الغريب لا يموت وحده". تنفسّت مريم بعمق، ثم خفعت مئزر العمل ووضعته على المنصة: — يمكنك تجهيز ورقة استقالتي. أطلق أبو فهد ضحكة ساخرة قصيرة: — لن تجدي وظيفة أخرى في هذا الحي بأكمله. — ربما.. لكنني سأستيقظ غداً وأنا أعرف من أكون. خرجت مريم تحت المطر المنسكب، وفي جيبها ما تبقى من دنانيرها القليلة، بلا عمل، وبلا أدنى فكرة عن كيفية إخبار أمها بما حدث. في الساعة الواحدة وربع، توقفت ثلاث سيارات سوداء ضخمة أمام باب المطعم. نزل منها رجال يرتدون أطقم عمل رسمية، ثم خرج من السيارة الوسطى سلمان الهاشمي؛ رجل الأعمال الشهير الذي تسيطر مجموعته على الفنادق، وشركات اللوجستيات، والمقاولات في عدة مناطق. كانت الصحف تصفه بالثري العصامي، بينما في كواليس العقود الضخمة والمجالس العليا، كان اسمه يُذكر كلما اشتبكت المصالح الكبرى. هرع أبو فهد نحو الباب متملقاً: — أهلاً بك يا سلمان بك، شرفتنا... مرّ سلمان من أمامه دون أن يلتفت إليه. كانت عيناه قد علقتا بالشيخ الجالس قرب المطبخ: — أباه! اختفت كل معالم القسوة من وجه سلمان. جثى على ركبتيه فوراً، وأمسك بيد والده المبتلتين، واستمع في صمت تأثر له قلبه إلى قصة الفتاة التي قدمت له طبق الشوربة. ثم وقف سلمان واستدار بنظرة حادة: — أين الموظفة التي ساعدته؟ بلع أبو فهد ريقه بصعوبة: — تم تسريحها يا سيدي.. لقد خالفت الأنظمة وأدخلت رجلاً يبدو كالمتسول إلى صالة الطعام. اقترب منه سلمان ببطء قاتل: — نبلها وإحسانها قيمتهما تكمنان في أنها لم تكن تعلم من يكون. حاول أبو فهد الابتسام بارتباك: — لقد كان مجرد سوء فهم... رد سلمان ببرود: — هذا المبنى مملوك لإحدى شركات العقار التابعة لمجموعتي. وقبل انقضاء ثلاثين يوماً، سيكون المطعم بالكامل ملكاً لي أيضاً. العمال، الطهاة، والمساعدون سيبقون في أماكنهم... أما أنت، فأنت مطرود الآن. شحب وجه أبو فهد وشخصت عيناه. أومأ سلمان لرئيس حراسه الشخصيين، "فارس": — ابحث عن مريم. — لنكافئها يا سيدي؟ نظر سلمان إلى أبيه الذي كان يعاود الترديد بأن دكان الورد قد اختفى، ثم قال بصوت خفيض: — لنحمي حياتها... لقد علم عمي أنها وجدت أبي بمفردها، وأبي لم يخرج من البيت مصادفة اليوم. ضيّق فارس عينيه: — هل تعتقد أن أحداً تعمّد إبعاده؟ أجابه سلمان بنبرة حازمة: — أظن أن أحداً من عائلتنا نفسها.. كان يتمنى أن يموت أبي قبل أن يتمكن من قول ما رآه... الجزء الثاني بعد ثلاثة أيام، كانت مريم ما تزال بلا عمل، وتضطر لرهن بروش يدتها الذهبي لتسديد جزء من الإيجار، حين عثر عليها "فارس" في مقهى حيادي. لم يقدم لها سلمان مجرد إحسان، بل دعاها لإدارة "ملتقى الأفق"، وهو نادٍ خاص يرتاده كبار رجال الأعمال والقضاة. تشككت مريم في العرض، لكنها اشترطت القبول: لا إهانة لأي موظف، ولا تحويلات مالية مشبوهة، مع كامل الحرية في الإبلاغ عن أي مخالفة. في غضون أربعة أسابيع، كشفت مريم اختلاسات في المستودعات، واستبعدت طاهياً يضايق العاملات، ورفعت الأرباح بنسبة 17% دون المساس بالرواتب. بدأ سلمان ينظر إليها باحترام بالغ؛ فجميع من حوله يطيعون بلا نقاش، بينما مريم تطرح الأسئلة. وزاد التقارب بينهما عندما بدأ أبو سلمان بتناول العشاء في النادي. ورغم تخبطه في التواريخ وبحثه المستمر عن زوجته المتوفاة منذ سبع سنوات، إلا أنه كان يمتلك الوعي الكافي ليتعرف على مريم دائماً كـ "فتاة الشوربة". ولما رأى سلمان معاملتها لأبيه بكل احترام ودون شفقة مجهزة، كشف لها عن الصراع الذي يمزق أسرته: "خالد الهاشمي"، الشقيق الأصغر لأبي سلمان، كان يسعى لإشهار الحجر على أخيه لانتزاع أسهمه وطرد سلمان من المجموعة. وكانت المشكلة أن خالد اشترى أطباء ومحامين وموظفين قدامى، في حين كان سلمان يخوض المواجهة بنفس أدوات النفوذ التي ورثها. حذرت مريم سلمان من أنه يخلط بين حماية أبيه والتسلط عليه. بعد أسبوع، اقتحم رجال تابعون لخالد النادي أثناء انقطاع مدبر للكهرباء. أصيب سلمان، وتعرّضت مريم للالتقاط صور لتكون أداة ضغط. فنقلها سلمان مع أبيه إلى منزل آمن في الجبل. وبعد ليلتين، خرج سلمان للتفاوض حول إطلاق سراح مدير محتجز، لكن الاجتماع كان فخاً. وبينما كان سلمان محتجزاً في مستودع مهجور، اقتحمت سيارات غير معلقة اللوحات بوابة المنزل الآمن. وصل فارس مصاباً وقاد مريم وأبا سلمان إلى ملجأ حصين تحت الأرض. كان رمز فتح الباب هو تاريخ ميلاد مريم، مما كشف عن مشاعر لم يجرؤ سلمان على الاعتراف بها بعد. وعندما بدأ المقتحمون بقطع المفاصل الحديدية للباب، سحبت مريم فارس للداخل وتولت إسعافه ووقفت تحمي أبا سلمان. انهدم الباب وسط الدخان والشرار، لكن سلمان ظهر فجأة من الخلف برفقة رجال مخلصين له ليحسم الموقف. وقبل أن يفقد فارس وعيه، سلم مريم هاتف أحد المقتحمين. عرض الهاتف مقطع فيديو يظهر ممرضة أبي سلمان وهي تتلقى أموالاً من "خالد" في صباح ذلك اليوم الماطر. لم يهرب الشيخ ولم يضل طريقه بنفسه؛ بل تلقت الممرضة أوامر بترك الرجل المسن بعيداً عن بيته، بلا معطف ولا وثائق، أملاً في أن يقضي عليه البرد والتشتت. لكن في نهاية الفيديو، قال خالد شيئاً أكثر رعباً: لقد احتفظ أبو سلمان بتسجيلٍ قادر على تدمير ولديه وثروتهما، وكانت مريم هي الشخص الوحيد الذي ربما يكون قد أفصح له عن مكان التخزين! الجزء الثالث احتوى الهاتف على تحويلات ورسائل ومقاطع صوتية تثبت رشوة خالد للممرضة وتزويره لتوقيعات أبي سلمان ودفع مبالغ لموظفين لتسرِيع معُاملة الحجر. لكن التسجيل المذكور كشف أمراً أكثر إيلاماً: قبل سنوات، اكتشف أبو سلمان أن شقيقه خالد خاص لجروب روايات محمد نور يستغل شركات العائلة في غسيل الأموال والتهريب. وكان سلمان قد علم بجزء من الأمر، ولأنه اعتقد أنه يحمي آلاف الموظفين وأباه، فقد التزم الصمت وأخفى بعض المستندات. أخفى أبو سلمان الأدلة داخل صندوق وصفات طعام قديم لزوجته الراحلة، وكان قد سلّمه لمريم في المطعم دون أن تنتبه! في ذلك اليوم، وعندما شكرها على الشوربة، وضع بذكاء مفتاحاً وصغيراً في جيب مئزرها. وكان المئزر ما يزال محفوظاً في مطعم "الجوزاء". أراد سلمان الانتقام من خالد بنفس أسلوب القوة الذي أدار به أعماله لسنين، لكن مريم رفضت أن تعيش في جلباب الخوف والأبواب الصفائحية. قالت له إن مساعدة أبيه لم تكن بطولة، بل كانت مجرد رفض للتخلي عن إنسان عاجز، وإن كان يحب أباه بحق، فعليه أن يوقف هذه الحرب الأهلية قبل أن تدمر المزيد. بعد استعادة المفتاح وتحديد موقع الصندوق، قضى سلمان ثلاثة أيام في فحص العقود والشركات الصورية. وفي النهاية، قدّم كافة الأدلة ضد خالد للنيابة العامة، واعترف بجرائمه وتقصيره السابق هو الآخر دون أن يطلب أي حصانة. قُبض على خالد أثناء محاولته مغادرة البلاد بوثائق مزورة، واعترفت الممرضة بمؤامرتها. أطاحت اعترافات سلمان بشبكة عمه كاملة، وكشفت متورطين آخرين، وحمت الشركة من التفكك العنيف. خسر سلمان جزءاً كبيراً من أملاكه ومؤسساته، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 14 شهراً. قبل أن يسلم نفسه، وضع الشركات المشروعة تحت إدارة مجلس مستقل، وعيّن مريم مديراً تنفيذياً للعمليات. توقع الكثيرون فشل الاستقبال السابقة، لكنها في غضون عام رفعت أجور العمال الدنيوية، وأنشأت منحاً دراسية لأبناء الموظفين، وفرضت سياسات صارمة لمنع الاستغلال. تعافى فارس بعد جراحتين وعاد مديراً للأمن. أما أبو فهد، فبعد أن كشفت المراجعة سرقته للمكافآت وتزوير ساعات العمل، لم تعده مريم لمنصبه، بل سمحت له بالانضمام لبرنامج إعادة تأهيل يبدأ من أعمال المطبخ. أُغلق مطعم "الجوزاء" لأربعة أشهر، ثم أعيد افتتاحه باسم "مائدة أبي سلمان"، وهو مطعم مجتمعي ومركز لرعاية كبار السن المصابين بالزهايمر؛ من يستطيع الدفع يدفع، ومن لا يستطيع يتناول طعامه بالمجان. وإلى جوار المدخل، وُضع مئزر مريم داخل إطار زجاجي رفعت تحته لوحة تقول: "الإحسان لن يكون يوماً سبباً في الطرد". خرج سلمان من السجن بعد 12 شهراً لحسن السلوك وتجاوبه مع العدالة. كانت مريم بانتظاره بمفردها دون موكب. كان يبدو أكثر نحافة، ولم يعد ينظر إلى العالم كشيء يجب السيطرة عليه. اتجها مباشرة إلى المطعم. لعدة ثوانٍ، لم يتعرف أبو سلمان على ابنه، ثم وضع يده على وجهه وابتسم، وكأن سلمان مجرد مسافر تأخر في العودة إلى البيت. وأمام الموظفين وكبار السن، أعاد سلمان لمريم بروش يدتها الذهبي، وكان داخل العلبة خاتم زواج. لم يعدها بمسح الماضي، بل عرض عليها حياة صادقة بعيدة عن الأسوار والحروب. وافقت مريم. ورَفَع أبو سلمان معلقته ضاحكاً وقال إن كل ما حدث كان لأن "شوربة الدجاج" كانت طيبة للغاية، فضجت الصالة بالضحك. في الخارج، استمرت المدينة في زحامها وسرعتها، أما في الداخل، فلم يعد يُطرد أي مسن لأنه يبدو فقيراً، ولم تنسَ مريم أبداً أن بعض العائلات لا تبدأ بالدم نفسه، بل تبدأ في اللحظة التي يقرر فيها أحدهم ألا يترك شخصاً آخر يواجه المطر بمفرده. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد