الحب والتضامن – محمد نور
— “لم تكن بحاجة إلى جلب حشد! كانت بحاجة إلى أن تُخيَّر وتستأذن أولاً.”
كانت سلمى تحدق في غطاء السرير. ترتدي قبعةً عنّابية اللون، وتتدلى من حوافها بعض الخصلات الخفيفة جداً. قبل ساعاتٍ قليلة، كانت تضحك لمرأى زملائها، أما الآن، فكانت تبدو وكأنها تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها.
أمسكتُ بساعد ياسين وسحبته إلى الخلف قليلاً:
— “صارحني يا بني.. هل أنت من طلب تصوير المقطع؟”
— “لا والله يا أمي! أخبرت المدرب بالقصة فقط، وهو من تنسّق مع البقية. أردتُ مجيئهم فحسب.”
— “وهل أخبرتهم أن سلمى موافقة؟”
— “ظننتُ أن الأمر سيسعدها..”
— “الظن لا يغني عن الاستئذان شيئاً يا ياسين.”
نزلت الكلمة عليه كالصاعقة. رأيته يطأطئ رأسه، لكن لم يكن بوسعي حمايته من حقيقةٍ كان لابد أن يستوعبها.
طالبت أميرة بحذف المنشور فوراً. اتصلت المعلمة بمديرة المدرسة على العجل، وحذف المدرب المقطع من المجموعة، لكن أحداً ما كان قد حمله وشرفه عبر صفحة إخبارية محلية. وفي دقائق معدودة، بدأت التعليقات تتقاطر:
“يا له من خطيبٍ أصيل ومثال للوفاء!”
“نسأل الله لها الشفاء العجل.”
” مسكينة هذه الفتاة، يبدو عليها الإعياء الشديد.”
“كان يجدر بهم إزالة القبعة لتظهر الصورة أبلغ وأوقع في النفس!”
جعل هذا التعليق الأخير أميرة تتمتم بدعاءٍ غاضب من بين أسنانها.
أخذت سلمى هاتف أمها وقرأت بعض تلك التعليقات، فبدأت يداها ترتجفان وهي تقول بصوت خافت:
— “لقد بدأوا يتحدثون عن شكلي وشحوب وجهي..”
اقترب ياسين منها:
— “سلمى.. سامحيني، أرجوكِ.”
— “لست أنت من نشر المقطع يا ياسين..”
— “لكنني أنا من جمعهم وجاء بهم إلى هنا.”
— “ولحظتها.. جعلتني أشعر بسعادة بالغة،” قاطعتها سلمى، “قبل أن يقرر شخص آخر أن يتملك تلك اللحظة ويتاجر بها.”
أغمضت أميرة عينيها. كان غضبها يبدو موجهاً للجميع، لكنها التفتت إليّ فجأة وهي تقول:
— “أتدرين ما هو الأشد إيلاماً يا أم ياسين؟ أنني منذ ثلاثة أشهر أشعر أنني أفقد ابنتي قطعةً قطعة.. تركت مدرستها أولاً، ثم فقدت شهيتها، ثم تساقط شعرها، والآن أصبحت مشاعرها وخوفها مشاعاً للغرباء!”
لم يكن في نبرتها تعنيف، بل كان يكسوها تعبٌ جبال.
فرددتُ بنبرة هادئة:
— “أعلم أنكِ غاضبة ومحقة في غضبك.”
— “لا.. أنتِ لا تفهمين! أنتِ تأتين، تضعين الطعام، تعانقين ابنكِ، ثم تعودين إلى بيتك.. أما أنا فأنام هنا، أترقب كل تحليل طبّي، وأتصنع القوة حين تسألني بدموعها إن كانت تموت!”