طفلة أنقذت المليونير- محمد نور الجزء الأول غرزت الطفلة ذات الأعوام الأربعة قلم الأدرينالين الوحيد الذي تملكه في فخذ أكثر رجال المنطقة هيبة ونفوذًا، رغم علمها أن أي نوبة حساسية قد تصيبها لاحقًا قد تودي بحياتها. كان طارق الفارس مستلقيًا على الأرض بجوار مكتبه الخشبي الداكن، بشفتين يميل لونُهما إلى الزرقة وأصابع متشبثة بالسجاد. خارج القصر الفاره، كان اثنا عشر حارسًا يتولون حراسة البوابات والكاميرات والحدائق. أما داخل المكتب، فلم يسمع أحد صوت انكسار الكأس. الشخص الوحيد الذي دخل الغرفة كانت مريم، ابنة إحدى العاملات في القصر، وهي ترتدي فستانًا أزرق فاتحًا وتطوق ظهرها بحقيبة على شكل أرنب. عرفت مريم على الفور صوت الصفير الصادر من صدر طارق. فمنذ أن كانت في شهرها الثامن عشر، وهي تعاني من حساسية مفرطة كفيلة بإغلاق مجرى تنفسها في أقل من ثلاث دقائق. وكانت والدتها، هدى، قد تدربت ودرّبتها عشرات المرات على كيفية استخدام المحقن الآلي. نزعت مريم الغطاء، وضغطت طرف الحقنة بقوة على بنطال الرجل، وعدّت بصوت خافت: — 1… 2… 3… ثم ركضت نحو الممر وهي تصرخ: — النجدة! الوالد لا يستطيع التنفس! وصل الحراس في اللحظة التي كان فيها طارق يستنشق أول خيط من الهواء. في أربعينيات عمره، كان طارق يدير شبكة ضخمة من شركات النقل وأجهزة الحراسة والأعمال الخاصة الممتدة عبر المنطقة. نجا من كمائن وخيانات ومحاولتين لاغتياله، لكن منذ التفجير الذي أودى بحياة زوجته وابنته ذات السنوات الأربع، أصبحت حياته أشبه بوجود شكل بلا روح. كان القصر المقام على ضفاف البحيرة يضم أربعًا وعشرين غرفة، ومخزنًا تحت الأرض، وممرات يلفها صمت جائر يجعل العاملين يخشون التحدث فيها بعد هبوط الليل. عملت هدى في القصر منذ ثمانية أشهر. كانت أرملة في الثلاثين من عمرها، تواصل الليل بالنهار وتقبل بنوبات العمل المضاعفة لتوفير ثمن أدوية ابنتها. توفي زوجها قبل عامين إثر سقوط هيكل معدني في موقع بناء تابع لإحدى الشركات المرتبطة بمجموعة الفارس. في صباح ذلك اليوم، أخبرتها الجارة التي ترعى مريم بأن الفتاة تعاني من الحمى. لم تكن هدى تملك ترف الغياب، إذ إن ضياع أجر اليوم يعني خسارة المكافأة التي تشتري بها أقلام الأدرينالين. ولعدم وجود خيار آخر، أدخلت ابنتها القصر خفية، وأوصتها بالبقاء داخل غرفة استراحة العاملين. عثر عليها طارق قبيل الظهيرة، انطوت الصغرى داخل أريكة ضخمة لا تناسب حجم جسدها الصغير. هرعت هدى بنظرات يملؤها الذعر: — سيدي، استمع إليّ رجاءً.. لم أجد من يتركها عنده. أرجوك لا تطردني! تأمل طارق حقيبة الأرنب الصغيرة، وللحظة خاطفة، تخيّل ابنته الراحلة تجلس مكانها. — لا أريدها أن تتجول في أرجاء القصر. خفضت هدى رأسها: — أمرك يا سيدي. — وقدموا لها شيئًا دافئًا لتأكله. كانت تلك أول إشارة رحمة يراها العاملون منه منذ ما يقارب ثلاث سنوات. في الساعة الرابعة والنصف عصرًا، أعدت هدى الصينية المعتادة لطارق: شاي، وماء غازي، وكأس من العصائر الخاصة. طلب منها عبد الجبار، مدير العقار ورجل ثقة العائلة لأكثر من عشرين عامًا، أن تحضر بعض الثلج من المطبخ. كانت مريم قد خرجت تسللاً للبحث عن أمها. وهناك، أثناء اختبائها خلف أحد الخزائن في المخزن، رأت عبد الجبار يخرج من جيبه قارورة زجاجية زرقاء صغيرة، ويسكب قطرات منها في الكأس قبل أن يعيدها إلى جيبه. لم تفهم الصغيرة مغزى ما رأت، بل انصب انتباهها فقط على الخاتم الكبير ذي الفص الأسود الذي يزين يده اليمنى. بعد مرور ساعات، استيقظ طارق في العيادة الخاصة الملحقة بالقصر. أوضح له الطبيب أن مادة مركزة وُضعت في الكأس تسببت في صدمة حساسية حادة. — لولا حقنة الأدرينالين التي حُقنت بها في الدقائق الأولى، لما كنت على قيد الحياة الآن. طلب طارق استدعاء مريم. دخلت الصغرى وهي تحتضن أرنبها المحشو. — هل كنتِ تعلمين أن تلك كانت حقنتكِ الأخيرة؟ — نعم. — ولماذا استخدمتِها لأجلي؟ ضغطت مريم على لعبة الأرنب نحو صدرها وقالت: — لأنك كنت تموت أيضًا.. وأنا أعلم كم هو مؤلم ألا يستطيع المرء التنفس. أدار طارق وجهه بعيدًا، فقد أحدثت إجابتها شرخًا في جدار الصمت الذي يغلفه منذ وفاة ابنته. أمر طارق على الفور بشراء ستة محاقن آلية ووعد بالتكفل بكامل علاج الفتاة. لكن قبل حلول المساء، كشف التحقيق عن أدلة قاطعة تدين هدى. فقد أظهرت الكاميرات أنها الوحيدة التي دخلت المكتب، وكانت بصماتها على الكأس، كما عُثر على قارورة مطابقة لتلك المستخدمة في الج/ريمة داخل خزانتها الشخصية. والأدهى من ذلك، وصول تحويل مالي بقيمة 1,800,000 ريال إلى حسابها البنكي من شركة وهمية. بدت الدوافع واضحة للجميع: مق/تل زوجها في موقع البناء، والقضية التي أُغلقت دون تعويض، وسنوات من المرارة والحقد المكتوم. أمر طارق بالقبض عليها، لكنه اشترط شرطًا واحدًا: — لا تفعلوا ذلك أمام الطفلة. لكن أحدهم تجاهل الأوامر. كُبلت هدى بالأغلال داخل غرفة الاستراحة، بينما كانت مريم تتشبث بساقيها وهي تصرخ: — أمي لم تفعل شيئًا! سحب أحد الحراس الطفلة إلى الخلف، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة: — أنا رأيتُ من وضع القطرات! إنه صاحب الخاتم الأسود! في نهاية الممر، رفع طارق عينيه ببطء. وبجوار السلم، شحب وجه عبد الجبار، ودسّ يده اليمنى ببطء داخل جيبه... الجزء الثاني طوال ثلاثة أيام، ظلت هدى محتجزة في منزل آمن، بينما رفضت مريم الطعام وتمددت تنام وهي تحتضن الحقيبة الخاوية. وظل طارق يتابع تسجيلات الكاميرات حتى بزوغ الفجر، ليشعر أن الأدلة تبدو متقنة أكثر من اللازم. لقد جرى إيقاف تشغيل كاميرا المخزن لمدة 40 ثانية بالضبط، باستخدام كلمة السر الخاصة بغرفة عبد الجبار. وعندما تحدث إلى مريم، وصفت الطفلة القارورة الزرقاء، والخاتم الأسود، والحيلة التي أُبعدت بها أمها عن صينية المشروب. صَدّقها طارق، ولكنه كان يعلم أن عبد الجبار لا يملك المال ولا النفوذ الكافي لتنظيم تحويل مالي بمليون وثمانمئة ألف ريال بمفرده، فأمر بمراقبته. في تلك الليلة، خرج عبد الجبار من البوابة الخلفية وقاد سيارته نحو مستودع مهجور بالمنطقة البحرية. وهناك التقى براشد الفارس، ابن عم طارق والقريب الوحيد الذي كان يتودد للقصر. وسجلت أجهزة التنصت المخفية الحقيقة كاملة؛ إذ كان راشد قد اختطف أخت عبد الجبار وهدده بقت/ل ابن أخته، وكان يريد موت طارق وإدانة هدى بالق/تل. فبغياب طارق، سيصبح ابن راشد ذو الأعوام الثمانية هو الوارث الشرعي لجزء من الأملاك، بينما يتولى الإدارة والسيطرة الكاملة. وعند مواجهته، اعترف عبد الجبار بوضع السم وإخفاء القارورة والمساعدة في دس الأموال المزيفة، لكنه أقسم أنه لم يكن يريد إيذاء مريم بأي شكل. قرر طارق الكتمان على الاعتراف لمدة 48 ساعة للإيقاع بابن عمه، لكن هذا كان خطأ فادحًا. فقد كان لراشد حارس مزروع داخل القصر. وقبل أن تتحرك رجال طارق، قامت مجموعة ترتدي زيًا مزيفًا بنقل هدى من المنزل الآمن. كما خدع موظف آخر المربية، مقتادًا مريم بحجة أن طارق يريد رؤيتها. واُجبر عبد الجبار على توقيع اعتراف كامل وحُقن بمادة تجعل موته يبدو كأنه انتحار، ليُعثر عليه فاقدًا للوعي ونبضه كاد ينعدم. وُضعت هدى ومريم معًا في خلفية حافلة صغيرة. وبيدين مكبلتين، اقتربت الأم من ابنتها ووحشت لها: — هل تتذكرين اللعبة التي كنا نلعبها حين تتوهين في السوق؟ اتركي علامات خلفكِ. أسقطت مريم من النافذة مشبكي شعر، وسوار ورد، ودبوسًا، والقلادة التي أهداها لها والدها قبل رحيله. وعثر رجال طارق على هذه الأغراض لترسم لهم خطًا واضحًا يتجه نحو الرصيف البحري المعزول. وعندما دخل طارق إلى الغرفة التي كانت تقيم فيها مريم، لم يجد سوى دمية الأرنب على السجاد. وداخل الحقيبة كانت العلب الست الجديدة، ولكنها جميعًا خاوية؛ إذ نزع راشد محاقن الأدرينالين لمنع الصغيرة من النجاة إذا أصابتها النوبة مجددًا، حتى لا تشهد عليه. ممسكًا الدمية بيده والوسام القديم لابنته المتوفاة باليد الأخرى، انطلق طارق لمواجهة آخر رجل متبقٍ من عائلته. الجزء الثالث انتهى الأثر عند مستودع قديم بجوار المرفأ، حيث كان هناك قارب سريع ينتظر والمحرك يعمل. كانت هدى مربوطة إلى كرسي، بينما كان رجل مسلح يمسك بمريم ويغطي فمها بكفه. لم يكن راشد يخطط للهرب فحسب، بل كان يطالب بأموال، وحصص في الشركات، وضمانات بقاء ابنه في خط السلسلة الإدارية. دخل طارق بمفرده، وضع س/لاحه على الأرض وبسط يديه: — أطلق سراحهما، وخذني أنا. ضحك راشد بتهكم: — ستقت/لني فور عبورهما الباب! — أقسم بذكرى زوجتي وابنتي أنك ستخرج من هنا حيًا. للحيظات، بدا وكأن راشد يستحضر الأيام التي قَضى فيها طارق ديونه، وحماه، وعامله كأخ. لكنه فجأة وجّه المس/دس نحو مريم! وقبل أن يطلق النار، ظهر عبد الجبار يتعثر من باب جانبي؛ إذ كان قد استعاد وعيه أثناء النقل ونجح في فك وثاقه. اندفع بكل ثقله نحو راشد ليتلقى رصاصتين، لكن شدة الاصطدام جعلت راشد يفقد توازنه. عضت مريم يد الرجل الذي يحتجزها وركضت نحو أمها. اقتحم حراس طارق المستودع من الجانبين. أُصيب راشد في قدمه وتَم القبض عليه حيًا. وهو مستلقٍ على الأرض، استفز ابن عمه: — أنهِ الأمر واق/تلني! أزاح طارق السل/اح بقدمه وقال: — ستعيش.. وفي كل يوم داخل زنزانتك، ستتذكر أنك حاولت قت/ل طفولة بريئة لأجل ميراث، وخسرت أمام شجاعتها. مع اقتراب أصوات سيارات الشرطة، فكّ طارق وثاق هدى وانحنى على ركبتيه أمام مريم. أخذت الصغيرة الأرنب المحشو من يديه دون أن تبتسم، وشارت نحو أمها: — هل سيأخذونها إلى السجن مجددًا؟ — لن يمسها أحد بعد اليوم. في الطريق إلى المستشفى، لم يدم الشعور بالارتياح سوى عشرين دقيقة، إذ بدأت مريم تسعل بشدة، وظهرت بقع حمراء على رقبتها وتحول تنفسها إلى حشرجة حادة. لقد أثارت الأتربة والمواد الكيميائية بالمستودع نوبة حساسية جديدة. فتحت هدى الحقيبة ولكن العلب كانت فارغة. احتضن طارق الطفولة بين ذراعيه بينما تقطع السيارة الشوارع المبتلة بسرعة جنونية. ولأول مرة منذ فقدان عائلته، تملك الرعب قلبه مجددًا من احتمال فقدان شخص يحبه. — مريم، أنظري إليّ.. لقد أنقذتِ حياتي، والآن دعينا ننقذ حياتكِ. تشبثت الصغيرة بطرف معطفه وهي تصارع للبقاء في وعيها. وكان فريق الطوارئ في انتظارهم عند بوابة المستشفى. وبعد أربع ساعات كاملة، خرج الطبيب إلى الممر: — لقد تجاوزت مرحلة الخطر. خرّت هدى على ركبتيها شاكرة، وغطى طارق وجهه ببراجم يديه وبكى دون أن يخفي دموعه عن أحد. تعافى عبد الجبار هو الآخر، ومن داخل العناية المركزة قدم الوثائق والتسجيلات والأسماء، معترفًا بدوره دون أن يتذرع بالتهديدات. أُبرئت ساحة هدى تمامًا، وتُبع التحويل المالي ليرتبط بكاتب حسابات راشد. كما اعترف الحارس المزروع بأنه تلقى أوامر بتكبيل هدى أمام مريم لتدمير الطفلة نفسيًا حتى لا تشهد. نال راشد حكمًا بالسجن لمداه، وانتقل ابنه للعيش مع خالته بعيدًا عن الج/ريمة والس/لاح. تكفل طارق بتكاليف علاج عبد الجبار ووفر الحماية لعائلته، لكنه لم يسمح له بالعودة للقصر. وقبلت هدى الاعتذار دون أن تتظاهر بأن الظلم لم يحدث، ورفضت الأموال المعروضة عليها، مكتفية بطلب منزل بسيط، وتأمين تعليم مريم، وتوفير أدويتها بشكل دائم. تفككت الأعمال المشبوهة لطارق بعدما سلم أدلتها للجهات المختصة، مكتفيًا بنشاط النقل المشروعة. وبعد أشهر، لم يعد القصر يبدو كالمقبرة؛ كانت مريم تركض في الممرات، وتضع رسومها بين الأوراق الرسمية، وتزين بالزهور صور زوجة طارق وابنته. بينما تولت هدى إدارة مؤسسة خيرية تساعد العائلات التي لا تستطيع تحمل تكاليف علاج الحساسية الحادة. داخل المكتب، وضع طارق محقن الأدرينالين الخاوي داخل صندوق زجاجي، وإلى جواره مشبك الشعر الذي وُجد على الطريق. وفي كل مساء، كان الثلاثة يجلسون على طاولة طعام واحدة. لم ينادِ طارق مريم بابنته ليحلها محل طفلته الراحلة، ولم تناده هي بأبيها لتمحو ذكرى والدها.. فلم يكن ذلك ضروريًا؛ فقد أدركوا جميعًا أن بعض العائلات لا تولد من الرحم والدم، بل تولد في اللحظات التي ينكشف فيها صدق القلوب عندما يقرر الأشخاص المكسورون أن يرمموا بعضهم بعضًا. تمت خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد