التوائم الأربعه – محمد نور

التفتّ إلى سائقي وقلت بنبرة حاسمة: «إلى شقة وسط المدينة.»

بعد عشر دقائق، وقفتُ أمام الباب الخشبي الفاخر. أدخلتُ الرمز السري، فتحتُ الباب بهدوء، ثم خطوتُ إلى الداخل.

كانت رائحة المكان مزيجًا من خشب الأرز والطلاء الجديد وقطرات المطر. تحيط الشقة نوافذ زجاجية ممتدة تُطل على أفق المدينة الفسيح، لكن نظري اتجه مباشرة نحو صالة المعيشة.

كان الأطفال الأربعة يجلسون على السجادة الحريرية. كان “لؤي” و”ليث” يتسابقان بسيارتين معدنيتين صغيرتين بصمت، بينما “لقمان” و”لبيب” ملتفان تحت غطاء دافئ، غارقين في نوم عميق… هاربين من عالم كان أقسى مما يحتمل أجسادهم الصغيرة.

ثم كانت هناك “لينا”.

كانت تقف بجوار طاولة المطبخ الرخامية، تحمل كوبًا من الشاي الدافئ. خلت مئزر العمل، ولم يبقَ عليها سوى سترة سوداء وبنطال جينز بسيط. كان شعرها المرفوع للخلف يظهر ملامحها المتعبة، وجلستها توحي بجمود دفاعي—امرأة أمضت سنوات تتوقع الضربة التالية في كل لحظة.

مع وقع خطواتي، التفتت فجأة.

همست: «جلال…» وكان صوتها مشدودًا بالحذر.

قلت بهدوء، وتوقفت على بعد بضع خطوات: «إنهم نائمون… لن أوقظهم.»

وضعت الكوب جانباً، وغرست عينيها الخضراوين في عيني بنظرة اختزلت كل السنوات العجاف بيننا: «لماذا أتيت؟ لقد أخذنا المفتاح… وقلتَ إنه لا أسئلة هذه الليلة.»

اعترفتُ بصوت خافت: «كذبتُ عليكِ… حاولتُ الانطلاق بالسيارة يا لينا. حاولتُ التظاهر بأنني لم أرَ للتو أربعة أطفال يحملون صور طفولتي… لكنني لم أستطع.»

شَدّت لينا على فكّها: «إنهم لا يخصّونك!»

«يحملون فكّي يا لينا! يحملون عينيّ! يمسحون شعرهم للخلف ويهزون أعناقهم باليد ذاتها عندما يدب التوتر في أجسادهم!» اقتربتُ خطوة، وانخفض صوتي إلى همسٍ مخنوق: «لا تقولي لي إنهم لا يخصونني…»

ترقرت الدموع في عينيها، لكنها قاومت هبوطها بكبرياء، وطوت ذراعيها حول جسدها كأنها تحمي نفسها: «قبل ست سنوات، اتخذتَ خيارك يا جلال… اخترت إمبراطورية عائلتك، واخترت رغبات والدتك. تركتني في غرفة مستشفى متهالكة مع مظروف فيه بضعة مئات ورسالة تخبرني ألا أتصل بك مجددًا!»

سرت برودة قاسية في عروقي، وتجمّد الدم في قلبي: «ماذا قلتِ للتو؟»

ردت بقسوة يمتزج فيها المرار القديم: «سمعتني جيدًا! أرسلتَ محامي العائلة إلى غرفتي في اليوم التالي لمعرفتي بالحمل. سلمني مظروفًا من أوقاف والدتك، وأخبرني أنك خطبت “سيرين”، وأنه إذا حاولتُ جلب أي فضيحة لآل “الجوهري”، فستستغل نفوذك لدماري!»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *