التوائم الأربعه – محمد نور
شعرتُ بالكلمات تتحول إلى رماد في فمي: «أنا لم أرسل أي محامٍ… لم أوقع أي رسالة، ولم أترك لكِ مالاً قط!»
أطلقت لينا ضحكة ساخرة خالية من أي مرح: «وهل تتوقع مني أن أصدق ذلك الآن؟»
«لينا… انظري إلي!» تقدمتُ خطوات متسارعة نحو الطاولة، وأمسكت بطرف الرخام بضراوة: «قبل ست سنوات، عدتُ إلى شقتنا فوجدتها فارغة! أرتني أمي عقد إيجار ملغى وتحويلاً بنكياً، وأخبرتني أنك أخذتِ مائتي ألف جنيه من مؤسسة العائلة وغادرتِ البلاد… أقسمت لي أنكِ أجهضتِ الأطفال!»
تسمرت لينا في مكانها، وغاب اللون عن وجهها بلمح البصر حتى ظننتها ستسقط مغشيًا عليها.
همست بصوت متهدج: «هي… هي أخبرتك أنني أجهضتهم؟»
«قضيتُ ثلاثة أشهر في مصحة في باريس أحاول الشرب حتى الموت لأنني ظننت أن المرأة التي أحببتها دمرت طفلي ورحلت من أجل المال!» كان صدري يعلو ويهبط مع انفجار ست سنوات من الحزن المكبوت. «لم أقدم على خطبة سيرين طوال هذه السنوات لأنني كلما نظرت إلى خاتم… رأيتُ وجهكِ أنتِ!»
حدقت فيّ لينا بذهول، وشفتها ترتجف. وبدأ جدار الكراهية والتخوين الذي بني بيننا لست سنوات ينهار، ليكشف عن حقيقة مرعبة كانت تتخفى خلف السطور.
وقبل أن تنطق بكلمة، رنّ هاتفي مجددًا… لم يكن هاتفي الشخصي، بل خط الطوارئ المربوط ببوابة البناية.
ضغطتُ على الشاشة، ليأتيني صوت الحارس متوترًا ومضطربًا: «سيد جلال… أنا آسف جدًا للإزعاج، ولكن والدتك، السيدة فريدة الجوهري، تقف بالأسفل مع حارسين شخصيين، وتطالب بالصعود إلى شقتك فورًا.»
الجزء الثالث
نظرتُ إلى لينا. عاد الذعر إلى عينيها في ثانية، ذعر غريزي حاد. التفتت نحو الأريكة حيث ينام “لقمان” و”لبيب”، وخطت خطوات سريعة لتقف حائلاً بين المدخل وأطفالها.
همست لينا بصوت يرتجف: «جلال… لا تدعها تقترب منهم… أرجوك.»
قلتُ بثبات: «لن تلمس منهم شعرة واحدة.»
ضغطتُ على زر الانتركوم وقلت للحارس: «دعها تصعد بمفردها. أخبرها أن الحراس سيبقون في البهو السفلي، وإلا سأطلب الشرطة لإخلائهم فورًا.»
«أمرك يا سيدي.»
تسعون ثانية مرت، قبل أن يصدر المصعد الخاص صوت وصوله.
انفتحت الأبواب الجرارة، وخطت “فريدة الجوهري” إلى داخل البهو.
كانت في كامل أناقتها كعادتها دائمًا؛ معطف من الكشمير العاجي، وعقد من اللؤلؤ الفاخر، وشعرها الفضي المصفف بعناية. كانت تبدو كالملكات… امرأة قضت حياتها وهي تطوع الواقع ليشكل رغباتها.