القصة كاملة- محمد نور
كانت على وشك الاختفاء من حياته إلى الأبد.
عندما فهم أخيراً أنني لم أكن بحاجة لأمواله قط… كان الوقت قد فات بالفعل
صمتت أمي لثوانٍ على الطرف الآخر من الخط.
— “هل حدث شيء؟”
— “ليس حقاً.”
خرج صوتي أكثر هدوءاً مما توقعت. ربما لأنني وصلتُ إلى تلك المرحلة الغريبة التي لا تعودين فيها حزينة… بل متعبة فقط.
— “كل ما في الأمر أنني أنهيتُ الأمر.”
— “أنهيتِ ماذا؟”
نظرتُ إلى انعكاس وجهي في النافذة.
— “علاقة قضيتُ سنوات طويلة أحاول فيها إثبات أنني أستحقها.”
لم تطرح أمي أي أسئلة. كانت دائماً هكذا؛ طوال حياتي تركتني أسقط بنفسي، وأنهض بنفسي، وأقرر بنفسي.
قالت فقط:
— “إذاً، تعالي إلى البيت.”
البيت.
لشهور طويلة لم أعد أشعر بأن مدينة “ميلبورن” هي بيتي. لكن فجأة، منحتني تلك الكلمة سلاماً لا يُنوّه.
— “سأسلّم بعض المشاريع في العمل أولاً،” أجبتها، “ثم سأشتري تذكرة الطيران.”
— “والدكِ سيجنّ من الفرح.”
ضحكتُ لأول مرة في تلك الليلة:
— “لا تخبريه الآن!”
— “فوات الأوان، إنه يجلس بجانبي ويستمع!”
ومن بعيد سمعتُ صوت أبي الهادر:
— “قولي لها إنني سأرسل الطائرة الخاصة غداً!”
أغلقتُ عينيّ ابتسامةً:
— “بابا، أستطيع شراء تذكرة على رحلة تجارية.”
— “أعلم ذلك.”
— “إذاً لا داعي للمبالغة.”
— “وأعلم أيضاً كيف أبالغ بأموالي الخاصة!”
تلك الجملة جعلتني أبتسم.
والغريب أن أبي لم يسألني يوماً عما إذا كان أحدهم يتقرب منا لأجل ثروتنا. وكان لديه كل الحق ليقلق؛ فعائلتنا، رغم أنها لم تكن تظهر في المجلات مثل عائلة فارس لأن معظم استثماراتنا ترتكز في أستراليا وسنغافورة، إلا أن هذا لا يعني أننا أقل ثراءً.
جدي هو من أسس شركة للشحن البحري، وأبي حوّلها إلى مجموعة دولية. بينما تدير أمي شركة عقارية ضخمة. أما أنا، ابنتهم الوحيدة، فقد قضيتُ جزءاً كبيراً من حياتي أحاول الابتعاد عن اسم عائلتي الثقيل. ليس خجلاً منه، بل لأنني أردتُ معرفة من أكون عندما لا يعرف أحد من أين أتيت.
لهذا السبب، عندما عدتُ إلى البلاد بعد الجامعة، استخدمتُ لقب عائلة جدتي لأمي: مراد.
عملتُ بمفردي. استأجرتُ شقة العادية. ركبتُ الحافلات، ودفعتُ أجرة التاكسي، ووجباتي من مالي الخاص.
وعندما اكتشفتُ أن “فارس”، الرجل الذي التقيتُ به وعشتُ معه قصة حب، ينتمي إلى عائلة ثرية للغاية، لم أشعر بالحماس… بل شعرتُ بالخوف. خوفاً من أن يظن أنني أخفيتُ هويتي لأخدعه.