حملت الغداء لزوجي – محمد نور

ساعدتنا والدته في الأسابيع الأولى ثم تعللت بضعف صحتها. استئجار مربية كان مكلفاً، وفي إحدى الليالي احتضنني طارق قائلاً:

— “لماذا لا تتركين العمل لفترة؟ لينا بحاجة إليكِ الآن. سأعمل وأتفل بكما، وما عليكِ إلا الاعتناء بابنتنا وأن تكوني سعيدة.. أنا أجمع المال، وأنتِ تهتمين بجمالكِ وبيتكِ.”

يا لشدة سذاجتي! استقلتُ بعد انتهاء إجازة الأمومة.

وعلى مدار ثمانية عشر شهراً، بدأتُ اختفي تدريجياً. أستيقظ قبل الفجر، أطعم لينا، أغسل، أنظف، أطبخ، وأسهر عند حمّى الطفلة. وحين يعود طارق تعباً، أوفر له كل سبل الراحة. كنتُ أظن أن هذا هو بناء الأسرة، لأكتشف هذا الصباح أن كل ذلك الجهد يعادل عنده “لا شيء”.

عدتُ إلى البيت لأجد الصالة في حالة فوضى عارمة. لينا تبكي على الأرض، والألعاب متناثرة.

قالت حماتي الجالسة على الأريكة بتذمر:

— “ابنتكِ لا تتوقف عن البكاء! عليكِ بالإنجاب مجدداً علّكِ ترزقين بصبي، فالصبيان أسهل بكثير.”

لم أرد. رفعتُ لينا؛ كان حفاضها مبتلاً للغاية، ولم يكن في قنينتها سوى الماء! قضت حماتي معها أكثر من ساعة دون أن تكلّف نفسها إعداد الحليب لها.

بينما كنتُ أغير لـ “لينا”، لفت ذراعيها الصغيرتين حول رقبتي وبكت على صدري. في تلك اللحظة، تبخر كل الغضب ولم تتبقَّ سوى حقيقة واحدة: لو طلبتُ الطلاق.. ماذا سيحدث لها؟

طارق يملك المال والجاه، وأنا بلا عمل منذ سنتين. البيت باسمينا لكن مدخوله هو الأساس. وهو يرى أنني غير قادرة على العيش بدونه.

نظرتُ إلى ابنتي، ثم إلى انعكاسي في المرآة: ثوب منزل قديم، شعر ملموم بعجالة، وهالات سوداء. لشهور لم أتعرف على هذه المرأة، لكن اليوم لم أشعر بالخجل منها.. بل شعرتُ بالقوة.

تذكرتُ من أكون قبل أن أكون “زوجة طارق”، وتذكرتُ شيئاً نسيه زوجي: أنا لم أفقد قدراتي ومواهبي، كل ما في الأمر أنني توقفتُ عن استخدامها لنفسي.

في تلك الليلة، بينما كان طارق ما يزال في عمله، فتحتُ حاسوبي المحمول القديم. دخلتُ إلى مجلد لم ألمسه منذ سنتين؛ فيه سيرتي الذاتية ومشاريعي السابقة.

ثم رأيتُ رسالة بريد إلكتروني قديمة من مدريتي السابقة تقول: “إن أردتِ العودة يوماً، فقط اتصلي بي.”

نظرتُ إلى باب الغرفة، ثم إلى “لينا” النائمة في مهدها، ولأول مرة منذ الصباح ابتسمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *