تخلى عني زوجي ٢ – محمد نور
ماجد أخفى الكفالة لـ “حمايتي”، وسعاد حرفت المراسلات لـ “حمايتي”، وأنا أخفيتُ هوية أبي لأنني أردتُ “حماية” الحياة التي بنيتها مع ماجد.. لقد كنا جميعاً نحمي بعضنا البعض بضراوة شديدة لدرجة أن الثقة اختفت بهدوء من الغرفة!
وضع أبي ذراعه حول كتفي وقال: “كانت أمكِ تقول دائماً إن الأسرار تراكم فوائد ثقيلة.”
مسحتُ دموعي وسألته: “هل قالت ذلك حقاً؟”
“لا!”
حدقتُ فيه، فابتسم وقال: “كان ينبغي لها أن تقول ذلك!”
ضحكتُ مجدداً: “يا أبي!”
“لكنها قالت إن الصمت يميل إلى أن يصبح أكثر كلفة مع مرور الوقت.”
“هذا يشبه أمي بالفعل..”
“نعم.”
بحلول بعد الظهر، عرفتُ ما يتوجب عليّ فعله.. طلبتُ من ماجد أن يدعو والدته سعاد للحضور إلى منزلنا.
بدا متوتراً وسألني: “هل أنتِ متأكدة؟”
“لا.”
“هل أخبرها بالسبب؟”
“لا.”
“هذا سيجعلها أكثر توتراً!”
“أعلم.”
في الساعة الرابعة، وصلت سعاد وهي تحمل حقيبة هدايا زرقاء فاتحة لـ “ليث”.. طوال عمرها كانت امرأة أنيقة، ليس بصورة صارخة بل بدقة متناهية؛ شعرها الفضي مصفف بعناية، معطفها يطابق حذاءها، وحتى عندما كانت تأتي لتناول غداء أسبوعي عريض، كانت تبدو مستعدة للقاء شخصية مهمة.
لكنها اليوم كانت تبدو متعبة، وهذا جعلها تبدو أكبر من سنها.
توقفت عندما رأت أبي عند طاولة الطعام: “سيد سليمان..”
“أهلاً يا أم ماجد.”
تجلت نظراتها نحوي وقالت: “لم أكن أعلم أن هذا اجتماع عائلي.”
قلتُ لها: “ليس اجتماعاً.. بل هو مجرد حديث.”
سحب لها ماجد كرسياً لتجلس، لكنها ظلت واقفة وسألت: “هل يمكنني رؤية ليث أولاً؟”
أخذني الطلب بغتة؛ ليس لأنه غير منطقي، بل لأن نبرة صوتها أصبحت لينة ورقراقة عندما نطقت باسمه.
نظر ماجد إليّ.. كان ليث مستيقظاً في سريره الصغير بجانب النافذة، يتأمل اللاشيء بهدوء، فأومأتُ برأسي.
اقتربت سعاد، ولم تمد يدها لتمسكه، بل وقفت بجانب السرير ونظرت إلى الأسفل وهمست: “يا إلهي..”
لوّح ليث بإحدى يديه الصغيرتين، فابتسمت سعاد ابتسامة حقيقية؛ ليست تلك الابتسامة الاجتماعية المشدودة التي أعرفها جيداً، وقالت: “أهلاً يا حبيبي..”
شيء ما في صدري انفرج ورخى رغم كل شيء.. فالأطفال يملكون طريقة عجيبة في جعل الكبار المعقدين يتخلون عن تعقيداتهم لبرهة.
بعد لحظات، جلست، فوضعتُ صورة المراسلات الخاصة بعقد الإيجار أمامها.