الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة

# الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة… والمكالمة التي هزت كيان القاضي

### الجزء الأول

انفجرت القاعة بأكملها بالضحك عندما قالت الطفلة ذات الفستان الوردي، بكل جدية، إنها تتصل “بمن يحلو لها”.

لم يكن أحد يتوقع هذا في محكمة الأحوال الشخصية السابعة بقلب القاهرة، حيث كان الهواء يعبق دائمًا برائحة القهوة المغلية مرارًا، والأوراق القديمة، والنزاعات العائلية التي تأتي ممزقة بالفعل من البيوت.

القاضي **منصور الخالد**، المعروف بجفافه، وقسوته، وبروده الذي يفوق صقيع ليالي الشتاء، خلع نظارته وأطلق ضحكة مجلجلة تركت الجميع مذهولين وأفواههم مفتوحة.

تبادل المحامون النظرات تعجبًا، وتوقف أمين السر عن الكتابة، حتى شرطي الحرس عند الباب، الذي كان يبدو كتمثال، خفض رأسه ليخفي ابتسامة غلبتْه.

في منتصف القاعة كانت تقف **ياسمين**، طفلة في الخامسة من عمرها، بضفيرتين غير مصففتين جيدًا، وجوارب بيضاء، وحذاء وردي مخدوش، وهي تضع هاتفًا أسودًا كبيرًا على أذنها.

لم يكن الهاتف لها، بل كان للمحامي **فريد**، محامٍ شهير في قضايا الحضانة، معروف ببدلاته الفاخرة، وحذائه اللامع، وبراعته في جعل حتى الصادق يشعر بالذنب.

لم يفهم أحد كيف خطفت الهاتف منه؛ لا جدتها **أمينة** الجالسة في الصف الثاني، ولا حتى **فريد** نفسه، الذي يتقاضى ثروة مقابل قوة ملاحظته للتفاصيل.

لقد نهضت **ياسمين** أثناء الاستراحة، ومشت بثقة كأنها تعرف المحكمة طوال حياتها، ومدت يدها الصغيرة في جيب سترة المحامي، وعادت إلى منتصف القاعة دون أن تركض، دون خوف، ودون ذرة شعور بالذنب.

رأها القاضي وهي تضغط على الأرقام، فسألها قائلًا:

— ماذا تفعلين هناك أيتها الصغيرة؟

لم ترمش **ياسمين** حتى، وقالت:

— أنا أتصل.

— بمن؟

رفعت الطفلة ذقنها بكبرياء:

— بمن أريد.

هنا تحديدًا ضحك القاضي **منصور**. لم تكن ضحكة مكتومة بل ضحكة حقيقية، قوية، كشفت عن جانب إنساني لم يره أحد فيه من قبل، وقال وهو لا يزال يبتسم:

— حسناً يا آنسة، اتصلي بمن تريدين.

ولكن في تلك اللحظة، فُتح الخط… وبدأت الضحكات تموت.

خرج من مكبر الصوت صوت امرأة، صوت متعب، مرتجف، ويائس:

— **ياسمين**؟ حبيبتي؟ هل هذه أنتِ؟

تجمد القاضي في مكانه، وبقيت يده معلقة في الهواء. اختفت الابتسامة من وجهه كأن شخصًا ما أطفأ النور فجأة.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *