الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة
صعقت القاعة. أغمضت **مريم**، التي كانت تغطي رأسها بوشاح، عينيها، وأمسكت **أمينة** بيدها. أما **منصور**، فكان يجلس في الصفوف الخلفية، بلا عباءة قضاء، بلا سلطة، وبلا خجل من وجوده؛ لأول مرة لم يكن في المركز، بل كان حيث يجب أن يكون: سندًا لعائلته.
قالت القاضية **رباب** بنبرة حاسمة:
— مرض الأم ليس بابًا مفتوحًا للاستغلال وانتزاع الأطفال كغنائم. ضعف الجسد لا يلغي غريزة الأمومة والرعاية، ولن نسمح بتحويل الانتهازية إلى حرص أبوي.
قُضي بالحضانة الكاملة لـ **مريم**، مع فرض رقابة مشددة على زيارات **طارق**، وتمت ملاحقة المحامي **فريد** نقابيًا.
عند خروجهم من المحكمة، كانت **مريم** تسير ببطء جراء الإرهاق، لكن عينيها كانتا تشعان بالنصر. ركضت **ياسمين** إليها واحتضنتها:
— أمي، هل سنعود إلى بيتنا الآن؟
قبلت مريم جبينها:
— نعم يا حبيبتي، سنعود.
وقف **منصور** على بعد خطوات، لم يشأ أن يقتحم خصوصيتهم أو يشتري غفرانهم بالدموع، فقد تعلم أن الندم الحقيقي لا يطلب التصفيق.
نظرت إليه مريم وقالت:
— شكرًا لأنك لم تحاول السيطرة على كل شيء هذه المرة.
أحنى رأسه:
— كدتُ أفعل.
— أعلم.
— أنا أتعلم الآن كيف أكون أباً.
أومأت برأسها:
— وأنا ألاحظ ذلك.
الأشهر التالية لم تكن سحرية؛ لم يكن هناك غفران فوري أو عناق مثالي كالأفلام، بل كانت هناك مواعيد أطباء، وغثيان، وتعب، ومخاوف، وجلسات عائلية هادئة. بدأ **منصور** من الصفر؛ كان يوصل **ياسمين** إلى روضتها عندما تعجز **مريم** عن النهوض، وتعلّم كيف يطهو حساء الدافئ، ويشتري البسكويت البسيط الذي تتقبله معدتها بعد العلاج، وكان يجلس صامتًا في ردهات المستشفى دون إلقاء خطابات، دون أن يقول “كل شيء سيكون بخير” في وقت لا يملك فيه أحد هذا الوعد.
ذات يوم، طلبت منه **ياسمين** أن يصفف لها ضفيرتها، فخرجت بشكل مضحك وفوضوي.
ضحكت **مريم** من أريكتها، وكانت هذه أول ضحكة حقيقية يسمعها **منصور** منذ زمن طويل، ولم ينسها أبدًا.
تدريجيًا، عادت الحياة إلى البيت؛ كانت **أمينة** تحضر المعجنات، و**مريم** تستعيد عافيتها، و**ياسمين** تملأ المكان بالرسومات والصلصال والأسئلة الغريبة. و**منصور**، الذي أمضى نصف حياته يصحح أخطاء الآخرين، بدأ يصحح نفسه؛ عندما يريد إعطاء الأوامر يتنفس بعمق، وعندما يريد تبرير نفسه يصمت.