الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة
شحب وجه المحامي، وأمر القاضي بصوت حازم:
— اخلوا القاعة. تُرفع هذه الجلسة وتُحال القض..ية فورًا إلى دائرة أخرى. أنا أتنحى تمامًا عن أي قض..ية تخص مريم، طارق، أو ياسمين.
نظر إليه أمين السر مذهولاً:
— سيادة القاضي؟
— فورًا!
بدأ الحضور بالخروج وسط همهمات وتهامس. وفي دقائق معدودة، خلت القاعة إلا من **منصور**، و**أمينة**، والصغيرة **ياسمين**، وصوت **مريم** القادم من الهاتف.
نزل القاضي من منصته؛ كانت ثلاث درجات فقط، لكنها بدت له بمثابة النزول من حياة زائفة بأكملها. ترك المنصب الرفيع الذي طالما حكم منه على آلام الآخرين، ووصل إلى الأرض حيث ينتظره ألمه الشخصي.
جثا على ركبتيه أمام **ياسمين**:
— هل تعيرينني الهاتف يا حبيبتي؟
ناولته إياه بأصابعها الصغيرة، فأمسك **منصور** بالهاتف بكلتا يديه وقال:
— **مريم**…
تنهدت ابنته من الطرف الآخر بعمق:
— أبي.
كانت هذه الكلمة تؤلمه أكثر من أي حكم قضائي، لأنها لم تحمل نبرة حب، بل نبرة تعب، نبرة ابنة تعلمت كيف تعيش وتنجو دون أن تتوقع منه شيئًا.
— لم أكن أعلم… —همس منصور.
— هذه هي المشكلة دائمًا، —ردت مريم— أنت لا تعلم أبدًا عندما يكون الأمر مهمًا.
أغمض عينيه. في الماضي، كان سيحاول الدفاع عن نفسه، وشرح أسبابه، والتحدث عن مكانته ومسؤولياته، لكنه هذه المرة التزم الصمت وقال:
— معكِ حق.
ساد صمت من نوع آخر. لم تكن **مريم** تتوقع هذا التغيير.
— لا أعرف ماذا أفعل بأسفك هذا الآن، —قالت مريم.
— لا عليكِ أن تفعلي شيئًا اليوم. لكن أنا من يجب أن يفعل.
في ذلك المساء، قدم **منصور** تنحيه الرسمي وال مكتوب عن القض..ية بسبب تضارب المصالح، وأقر بذنبه كأب لعدم اكتراثه بالتحذيرات السابقة. أحيلت القض..ية إلى القاضية **رباب**، وهي امرأة صارمة ومعروفة بنزاهتها وتدقيقها في التفاصيل دون التأثر بالأسماء أو المظاهر.
حضر **طارق** الجلسة الجديدة بقميص ناصع البياض مظهرًا ملامح الضحية والحرص، وادعى أن علاج **مريم** الكيميائي يمنعها من رعاية طفلة في الخامسة. لكن عندما راجعت القاضية المستندات، بدأ الانهيار الحقيقي لخطته.
أظهرت المراسلات أن **طارق** كان يتعمد تأخير تسليم الطفلة لإيقاع الأذى النفسي بـ **مريم**، وأكدت التقارير المدرسية والطبية إهماله لإرشادات طبيب الأطفال. وجاءت الضربة القاضية من تسجيل صوتي قدمته والدة **طارق** نفسها (حماتها السابقة)، يُسمع فيه وهو يتحدث مع محاميه قائلًا: “الآن وهي مريضة هي فرصتنا للضغط؛ إذا تعافت فستضيع الفرصة منا”.