الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة

كانت **ياسمين** لا تزال تمسك بالهاتف بكلتا يديها الصغيرتين، دون أن تفهم تمامًا حجم الصدمة التي وجهتها لعالم الكبار.

قالت **مريم** عبر مكبر الصوت:

— أنا مصابة بسرطان الثدي في المرحلة الثانية، وأخضع للعلاج الكيميائي منذ 4 أشهر. علم **طارق** بالأمر من التأمين الطبي، واستغل الفرصة ليطلب الحضانة الكاملة.

أمسك **منصور** بحافة مكتبه بقوة. **طارق**، طليق ابنه… ذلك الرجل الأنيق، المتحدث بلباقة وهدوء ليظهر بمظهر العقلاني، بينما يخطط في الخفاء لالتواء القوانين. كان **منصور** يعرفه جيدًا، طالما التقى به في مناسبات المحامين واجتماعات رجال الأعمال، وكان يبدو دائمًا كـ “شاب صالح ومحترم”.

ولأجل هذا المظهر، قبل عامين، عندما جاءت **مريم** لتطلب مساعدة أبيها، لم يصدقها كأب، بل جابهها كقاضٍ.

في ذلك المساء، جاءت **مريم** إلى مكتبه تحمل رسائل مطبوعة، وتقارير مدرسية، وصورًا، وتواريخ إخلال بالالتزامات، وملاحظات طبيب الأطفال. شرحت له كيف كان **طارق** يتلاعب بالمواعيد، ويترك الطفلة مع الغرباء، ويستغلها لمعاقبتها. لم تطلب منه خرق القانون، بل طلبت منه أن يراها، أن يصدقها، وأن يرشدها.

لكن **منصور** تذرع بالإجراءات، والحياد، وبعدم التدخل، وبـ “ضرورة اتباع الطرق القانونية الرسمية”.

نظرت إليه مريم آنذاك وكأنها فقدته إلى الأبد وقالت:

— ابنتي ليست بأمان يا أبي، وأنت تحدثني وكأنني مجرد ملف وقض..ية.

فأجابها بجملة سيظل يخجل منها ما عاش:

— أنتِ عاطفية أكثر من اللازم ولا ترين الأمور بوضوح.

جمعت **مريم** أوراقها وقالت له:

— لا، بل أنت غارق في عشق عباءة القضاء لدرجة جعلتك تنسى أن لديك عائلة.

رحلت في ذلك اليوم، ورحلت معها المكالمات، والزيارات، والأعياد، وكل فرصة له ليكون جدًا. والآن، بعد عامين، تقف الطفلة نفسها التي توسلت **مريم** لأجلها أمامه، بهاتف مسروق وعينين واسعتين.

— جدي… —قالت **ياسمين**— هل يمكنك أن تطلب من أمي أن تأتي؟

تلك الكلمات حطمته تمامًا. نهض القاضي **منصور**، فحاول المحامي **فريد** المقاطعة:

— سيادة القاضي، مع كل الاحترام، هذا الإجراء غير قانوني ومخالف…

نظر إليه القاضي بنظرة صارمة جعلت المحامي يبتلع كلماته:

— المخالف للقانون والمروءة هو استغلال مرض أم لانتزاع طفلتها منها! المخالف هو إخفاء معلومات جوهرية! المخالف هو الحضور إلى قاعتي والمقامرة بحياة طفلة كأنها ورقة لعب!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *