الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة
ابتسمت **ياسمين** وهتفت:
— أمي!
كلمة واحدة كانت كافية لتقلب كل شيء رأسًا على عقب. كان **منصور** يعرف هذا الصوت جيدًا؛ إنه صوت **مريم**، ابنته. نفس الابنة التي لم تحدثه منذ عامين كاملين، نفسها التي أعادت له رسائله دون أن تفتحها، وغيرت رقم هاتفها، وقالت في وجهه إنها لا تريد رؤيته مجددًا حتى يفهم حجم الأذى الذي تسبب فيه.
نظرت **ياسمين** إلى القاضي بكل براءة العالم وسألته:
— هل أنت جدي **منصور**؟
ساد صمت مطبق في القاعة بأكملها. ابتلع القاضي ريقه بصعوبة. كانت هناك إجابة قانونية: نعم. الأوراق الرسمية تقول نعم، والدم يقول نعم، لكن الحقيقة كانت تؤلم أكثر. فالجد لا يتعرف على حفيدته في مكان عام، والجد لا يكتشف صوت ابنته عبر هاتف مسروق، والجد لا يترك عامين يمران جفاءً بسبب كبريائه.
أيجاب بصوت متهدج مكسور:
— نعم… أنا هو.
عادت **ياسمين** إلى الهاتف وقالت:
— أمي، إنه هنا.
لم يُسمع من الطرف الآخر سوى شهقة بكاء ونشيج، ثم قالت **مريم** كلمات أفرغت الهواء من صدور الحاضرين في القاعة:
— أبي… اسأل أمي لماذا أحضرت **ياسمين** إلى هناك اليوم.
التفت **منصور** ببطء شديد نحو الحاضرين. في الصف الثاني، كانت **أمينة**، طليقته، تجلس وتشد بكلتا يديها على حقيبتها. لم تكن تبتسم، ولم تبدُ منتصرة، بل كانت تبدو متعبة، منهكة من انتظار أن ينزل هذا الرجل من برج غروره العاجي.
— **أمينة**… ماذا فعلتِ؟
أمسكت بنظراته وقالت بثبات:
— فعلتُ ما لم تفهله أنت طوال حياتك… استمعتُ إليهم.
ثم تحدثت **مريم** مرة أخرى عبر مكبر الصوت:
— طليقي **طارق** رفع دعوى حضانة مستعجلة… يقول إن علاجي يجعلني غير مؤهلة ولا قادرة على رعاية ابنتي.
عقد القاضي **منصور** حاجبيه بقلق:
— أي علاج يا مريم؟
لف القاعة صمت قصير وثقيل، ثم جاءت الكلمة التي شطرته إلى نصفين:
— السرطان.
شعر القاضي **منصور** أن الأرض تميد تحت قدميه. ابنته مصابة بالسرطان، وحفيدته تقف في قاعة محكمته، والمحامي الجشع الذي كان يضحك قبل قليل يريد انتزاع **ياسمين** من حضن أمها المريضة، وهو، القاضي الأكثر هيبة واحتراماً في هذه المحكمة، لم يكن يعلم عن كل هذا أي شيء على الإطلاق.
### الجزء الثاني
طوال ثوانٍ، لم يتحرك أحد؛ لا المحامي **فريد**، ولا أمين السر، ولا الحرس، ولا القاضي. بقيت كلمة “السرطان” معلقة فوق الرؤوس كجرس ثقيل.