الطفلة التي سرقت الهاتف في قلب المحكمة
بعد عام، انتهى علاج **مريم**، وتحدث الأطباء بحذر ولكن بأمل كبير عن تراجع المرض واستقرار حالتها. بكى **منصور** في ممر المستشفى، فناولته **أمينة** مناديلها دون كلام، ورأته **مريم**، ولأول مرة منذ عامين، أمسكت بيده؛ لم يكن غفرانًا كاملاً، لكنه كان البداية.
بعد فترة، أعلن القاضي **منصور** تقاعده. وفي حفل وداعه، تحدث الزملاء عن مسيرته الطويلة، وأحكامه الصارمة، وانضباطه. استمع إليهم بأدب، ثم اعتلى المنصة وقال:
— طوال سنوات، اعتقدت أن العدالة تقتضي دائمًا البقاء على مسافة من المشاعر. قد يكون هذا صحيحًا في القضايا، لكني خلطت بين المسافة والتعالي، حتى عندما كانت عائلتي بحاجة إلى وجودي. كنت قاضيًا جيدًا في كثير من الأحيان، لكني لم أكن أباً جيدًا دائمًا، وهذا حكم يجب أن أتقبله وأتحمله بنفسي.
لم يتحرك أحد في القاعة، فتابع:
— اليوم أعلم أن طفلة صغيرة يمكنها أن تعلم الإنسان أكثر مما يعلمه ملف قض..ية. حفيدتي أجبرتني على النزول من منصة القضاء لأتذكر أمرًا أساسيًا: قبل أن تكون صاحب سلطة، يجب أن تكون إنسانًا.
هنا، رفعت **ياسمين** الجالسة بين أمها وجدتها يدها وهتفت:
— وتعلّمت أيضًا كيف تصنع الضفائر!
انفجرت القاعة بالضحك، وضحك **منصور** معهم، لكنها لم تكن ضحكة كبرياء، بل ضحكة حياة.
بعد سنوات، ظلت **ياسمين** تروي كيف سرقت هاتفًا في المحكمة ذات يوم، وكانت **مريم** تصحح لها دائمًا:
— لم تسرقي، بل طلبتِ المساعدة بطريقتنا الخاصة؛ بإثارة ضجة في مكان لم يكن فيه أحد يريد الاستماع.
كان **منصور** يبتسم، لكنه في داخله كان يعلم الحقيقة؛ **ياسمين** لم تقاطع جلسة محكمة، بل قاطعت حياة كاملة بُنيت على الغرور، والمظاهر، والصمت.
وفي ذات مساء، بينما كانت الطفلة تلون على طاولة المطبخ، سألته:
— جدي، لماذا توقفت عن الضحك في ذلك اليوم بالمحكمة؟
وضع كوب القهوة وقال:
— لأنني فهمت أن المحكمة لم تكن تنظر إلى طفلة مشاغبة… بل كانت تنظر إليّ أنا وتكشف خطئي.
قطبت الطفلة أنفها:
— ولكنك كنت القاضي!
ابتسم بحزن:
— هذا ما كنت أظنه.
فكرت الصغيرة لثوانٍ ثم عادت للتلوين وقالت:
— حسناً، المهم أنك هنا الآن.
وكانت هذه العبارة صك غفرانه الحقيقي. فالمنصب لا يحتضن، والشهرة لا ترعى، والعباءة لا تستمع، ولا توجد محكمة في العالم، مهما كبرت، يمكنها أن تمنحك كلمة “جدي” عندما تكون في أمسّ الحاجة إليها.