النادلة والسيدة العجوز-محمد نور

«طُردت من عملها لأنها أطعمت امرأةً مسنّة بيديها… لكن الرجل الذي كان يراقب المشهد بصمت قلب حياتها رأسًا على عقب!»

 

كان مطعم “أصل الضيافة” يعجّ بالزبائن وقت الغداء. الأحاديث تتداخل، وأصوات الصحون لا تهدأ، والنُدُل يتحركون بين الطاولات بسرعة للحاق بطلبات لا تنتهي.

 

وفجأة…

 

حاولت امرأة مسنّة أن ترفع ملعقة المرق إلى فمها، لكن يديها المرتجفتين خانتاها، فانسكب المرق فوق المفرش الأبيض أمام أنظار الجميع.

 

ساد صمت قصير…

 

بعض الزبائن رمقوها بنظرات ضيق، وآخرون أشاحوا بوجوههم، متظاهرين بالانشغال بهواتفهم، وكأن تجاهلها أسهل من مدّ يد المساعدة لها.

 

لم يتحرك أحد…

 

إلا فتاة واحدة.

 

كانت نور، في الثالثة والعشرين من عمرها، تعمل نادلة في المطعم منذ الصباح الباكر. وبعد انتهاء مناوبتها، كانت تستقل دراجتها النارية القديمة لتوصيل الطلبات حتى ساعات الليل، محاولة جمع ما يكفي لدفع إيجار الغرفة الصغيرة التي تتقاسمها مع صديقتها.

 

قدماها تؤلمانها من الوقوف لساعات طويلة.

 

وفي جيب مئزرها ورقة مطوية تحمل إنذارًا أخيرًا بسبب تأخرها في سداد الإيجار، بينما كانت فاتورة الكهرباء المتراكمة منذ شهرين تثقل صدرها أكثر من أي شيء آخر.

 

ومع ذلك…

 

لم تكن تملك قلبًا يسمح لها بأن ترى إنسانًا يتألم ثم تمضي وكأن شيئًا لم يكن.

 

توقفت مكانها رغم أن أحد الزبائن كان يلوّح لها بعصبية، مطالبًا بإحضار طلبه فورًا.

 

كانت تحمل إبريق ماء وفاتورة لطاولة أخرى، لكن قدميها اتجهتا تلقائيًا نحو السيدة المسنّة.

 

انحنت بجوارها حتى لا تلفت انتباه بقية الحاضرين، ثم سألتها برفق:

 

— “هل أنتِ بخير يا أمي؟”

 

رفعت السيدة رأسها ببطء.

 

كان شعرها الفضي مصففًا بعناية، وثوبها الأبيض الأنيق يوحي برقيّ صاحبتِه، لكن عينيها كانتا تحملان تعب سنوات طويلة.

 

قالت بصوت خافت:

 

— “أعاني من مرض باركنسون يا ابنتي… في بعض الأيام تصبح أبسط الأشياء، مثل تناول الطعام، معركة حقيقية.”

 

تجمّدت نور للحظة.

 

لقد أعادتها تلك الكلمات سنوات إلى الوراء…

 

إلى جدتها التي عانت المرض نفسه، وإلى يديها المرتجفتين، وإلى نظرات الخجل التي كانت تحاول إخفاءها كلما احتاجت لمن يطعمها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *