النادلة والسيدة العجوز-محمد نور

 

ابتسمت نور بحنان وقالت:

 

— “انتظري لحظة واحدة… سأعود حالًا.”

 

ركضت إلى المطبخ، وطلبت حساءً خفيفًا وملعقة صغيرة، ثم عادت سريعًا.

 

سحبت كرسيًا وجلست إلى جوار السيدة، غير آبهة بنظرات الاستغراب والهمسات التي بدأت تنتشر بين بعض الزبائن.

 

ثم قالت بابتسامة دافئة:

 

— “على مهلك… لا أحد يستعجلنا.”

 

ارتسمت على وجه السيدة ابتسامة امتنان صادقة وهي تهمس:

 

— “جزاكِ الله خيرًا يا ابنتي.”

 

بدأت نور تطعمها ببطء، ملعقة بعد أخرى، وتتحدث معها بلطف، كما كانت تتمنى دائمًا أن يعامل الناس جدتها.

 

ولم تكن تعلم…

 

أن رجلًا طويل القامة، يرتدي بدلة داكنة فاخرة، يقف في أقصى القاعة ويراقب كل ما يحدث دون أن ينطق بكلمة.

 

كان اسمه أمير.

 

رجل أعمال في الحادية والأربعين من عمره، يملك سلسلة فنادق ومصانع وشركات كبرى. تصفه مجلات الاقتصاد بأنه عبقري الإدارة، بينما يهمس منافسوه بأنه رجل لا يعرف الرحمة عندما يتعلق الأمر بالعمل.

 

أما المرأة التي كانت تجلس أمام نور…

 

فلم تكن سوى والدته.

 

ومنذ سنوات طويلة…

 

لم يرَ أمه تبتسم بذلك الدفء الذي رآه على وجهها وهي تتلقى الطعام من يد فتاة لا تعرفها.

 

وعندما انتهت نور وهمّت بالعودة إلى عملها، أمسكت السيدة يدها برفق وسألتها:

 

— “ما اسمك يا ابنتي؟”

 

— “نور.”

 

ابتسمت السيدة وقالت:

 

— “لا تسمحي لهذا القلب الطيب أن يتغير يومًا.”

 

بعد دقائق قليلة، اقترب أمير من نور للمرة الأولى.

 

سألها بهدوء:

 

— “هل تعرفين والدتي من قبل؟”

 

هزّت رأسها نفيًا.

 

— “لا يا سيدي.”

 

فسألها مجددًا:

 

— “إذًا… لماذا فعلتِ كل هذا؟”

 

نظرت إليه باستغراب، وكأن السؤال نفسه غير مفهوم بالنسبة لها، ثم قالت ببساطة:

 

— “لأنها كانت بحاجة إلى من يساعدها… وهل يحتاج الإنسان إلى سبب حتى يساعد إنسانًا؟”

 

ظل أمير صامتًا لثوانٍ، ثم أخرج بطاقة أعمال سوداء أنيقة ووضعها في يدها.

 

وقال:

 

— “اتصلي بي غدًا… الساعة التاسعة صباحًا.”

 

حدقت نور في البطاقة، ولم تفهم شيئًا.

 

لكنها لم تحصل حتى على فرصة لتسأله…

 

ففي اللحظة نفسها، دوّى صوت مدير المطعم في أنحاء القاعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *