بعت شقتي – محمد نور
بعت شقتي- محمد نور
قائمة الحسابات القديمة
بِعْتُ شقتي في العاصمة بمبلغٍ يتجاوز المليون والنصف مليون دولار، ورجعتُ إلى القرية وأنا أدَّعي أنني خسرتُ كل شيء.
بِعْتُ شقتي في العاصمة بثمنٍ لم تكن عائلتي لتتخيله يوماً.
بعد سبعة عشر عاماً قضيتها في سداد الديون، وتجرُّع الإهانات، والعمل كأن التعب خُلِقَ لغيري، دخل المالُ حسابي أخيراً.
لكنني عندما عدتُ إلى القرية، لم أزد على قول جملة واحدة:
— أمي… انتهى كل شيء. خسرتُ كل ما أملك.
كانت أمي “أم جاسم” تقف جوار الموقد تُعدّ طعام العشاء. وما إن سمعت كلماتي حتى سقطت الملعقة من يدها.
— ماذا تعني بخسرتَ كل شيء يا “جاسم”؟
خفضتُ رأسي وقلت:
— تعثَّرت التجارة، وذهبت الشقة أيضاً… لم يعد يتبقى لي شيء.
لم تبكِ.
وكان ذلك أكثر ما أوجع قلبي.
ظلت واقفة في مكانها عند الموقد، منحنية الظهر، وكأن عشر سنوات قد هبطت على كتفيها في ثانية واحدة. ثم سكبت لي طبقاً من الطعام، ومضت إلى غرفتها دون أن تسأل أي سؤال آخر.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم.
من غرفتي، كنتُ أسمع صوت فتح الأدراج، وتحريك الصناديق القديمة، ونفض الملابس، والبحث بين العلب والأظرف المخبأة.
وفي الصباح التالي، وضعت في يدي منديل قماش.
كان داخله ما يعادل خمسمئة دولار.
أوراق نقدية مطوية، وعملات معدنية… مدخرات بسيطة جمعتها بشق الأنفس على مدار سنوات.
— هذا كل ما أملكه يا بني، خذه الآن، ولنَرَ بعد ذلك ما يمكننا فعله.
انعقد لساني وغصَّ حلقي:
— أمي، ما زال معي ما يكفيني للعيش قليلاً.
ضغطت على يدي بقوة.
كانت عيناها محمرتين، لكنها واصلت التماسك دون بكاء.
وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن كذبتي قد نجحت أكثر مما ينبغي؛ أمي صدّقت حقاً أنني أفلست… ومع ذلك كانت مستعدة لإعطائي كل ما تملك.
بحلول الظهيرة، كان الخبر قد انتشر في القرية بأكملها.
في الأماكن الصغيرة، تطير المصيبة أسرع من سيارة الإسعاف.
“جاسم عاد مفلساً.”
“خسر شقته في العاصمة.”
“لابد أنه تورط في تجارة مشبوهة.”
فتحتُ مجموعة العائلة على الهاتف. كان فيها أكثر من ثلاثين شخصاً؛ أعمام، وأخوال، وأبناء عمومة، وأقارب لم يراسلوني طوال سنوات إلا عندما كانوا بحاجة للمال.
كتبتُ رسالة:
> “السنتان الماضيتان كانتا صعبة جداً عليّ، وخسرتُ الكثير. عدتُ إلى القرية لأبقى بجوار أمي لفترة.”