بعت شقتي – محمد نور

فقلتُ له:

— عندما ظننتَ أنني مفلس، لم تسأل إن كنا أكلنا أم لا… بل سألت كم بقي معي! والآن تطالب بثلاثين ألفاً؟

خرج العم وهو يصرخ بأن المال غيرني وجعلني متكبراً، فردت عليه أمي بثبات:

— عندما ظننتَ أنه لا يملك المال، كنتَ قد تركته وحدك يا أخي.

وأخيراً جاء “طارق”.

جاء بوجه أربد، ودخل الحوش يطالب بإلغاء دَيْنه (التسعة عشر ألف دولار)، متذرعاً بأنني “أملك الملايين” وأن العائلة لا تتقاضى الديون من بعضها!

وقفتُ في وجهه:

— أمامك ثلاثون يوماً لتسديد نصف المبلغ وتوقيع جدولة للنصف الآخر… وإلا سأرفع الوثيقة للقضاء.

اصفرّ وجهه وصدم، ثم التفت لأمي يستجدل عطفها، فقالت له أمي وهي تمسح يديها:

— أنا أعلم أنك أمس أخذت علبة التبغ معك عندما ظننت أن جاسم أفلست… من يأخذ هديته معه لا يُرتجى منه خير يا طارق.

خرج يتوعد بأن القرية كلها ستعرف “حقيقتي القاسية”!

لكننا لم ننتظر شائعاتهم.

في المساء، جمعتُ العائلة كلها في الحوش أمام بعض الجيران الذين جاءوا باستفسارات فاعلة، وفتحتُ “ملف الحسابات القديمة”.

عرضتُ الديون الموثقة، والتحويلات المسددة، والرسائل الصريحة التي كشفت نفاقهم واحداً تلو الآخر!

أمام الحقيقة الموثقة، لم يستطع أحد منهم الإجابة.

وقالت أمي للجميع بصوت جليّ:

— المال لم يفرق العائلة… المال فقط كشف أننا كنا مفترقين من الأساس!

في اليوم التالي، أخذتُ أمي إلى المدينة.

كنتُ قد اشتريتُ لها شقة جديدة مشمسة، قريبة من المشفى والمتاجر والحدائق، وسجلتُ عقدها باسمها مباشرة.

عندما دخلت أمي الشقة الجديدة، لمست الجدران بذهول، ودنمت عيناها:

— هذا كثير عليّ يا بني…

— ليس كثيراً عليكِ يا أمي. أنتِ التي كنتِ مستعدة لإعطائي آخر خمسمئة دولار تملكينها، وهذا أقل ما أردّ به بعض فضلك.

خلال أسابيع قليلة، بدأت أمي تتأقلم مع حياتها الجديدة، تخرج للحديقة المجاورة مع جاراتها، وتشتري ما تشتهيه دون أن تحسب حساباً لكل فلس، واستعادت كرامتها وراحتها بعيداً عن ألسنة القرية ونفاق الأقارب.

أما “طارق”، فقد بدأ بسداد دينه بانتظام خوفاً من المحاكمة.

وأما بقية الأقارب، فقد أغلقنا دونهم الأبواب التي لا تُفتح إلا لمصلحة.

في إحدى الليالي، جلستُ بجوار أمي وهي تشرب الشاي، وفتحتُ هاتفي على ملاحظة “قائمة الحسابات القديمة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *