بعت شقتي – محمد نور
قبل سنوات، عندما كنتُ أجمع المال لأشتري شقتي الأولى، نمتُ على هذا السرير أيضاً. حينها تربت ابن عمي “طارق” على كتفي وقال:
— يا أخي، اذهب واغزُ العاصمة، فنحن هنا سندك وعزوتك.
وبعدها، طلب مني سداد دين عنه بقيمة تسعة عشر ألف دولار.
ولم أطالبه بها قط.
في اليوم التالي، ظهر في حوش بيتنا وهو يحمل علبة من التبغ الرخيص تحت إبطه، وعلى وجهه ابتسامة عريضة زيادة عن اللزوم.
— جاسم! جئتُ فور أن سمعتُ بالخبر!
تركتُه يجلس.
أخذ ينظر إلى البيت، وجدرانه المتهالكة، وسقفه المنخفض، ثم تنهد بتصنع وكأنه حزين:
— بخصوص ذلك المال الذي أعطيتني إياه سابقاً…
— تسعة عشر ألف دولار، قلتُ له.
رمش بعينيه بسرعة:
— يعني… لم يكن ذلك ديناً بالمعنى الحرفي يا جاسم، بل كان استثماراً عائلياً، ألا تذكر؟ أنت قلتَ حينها إنك إن ربحتَ اقتسمنا، وإن خسرتَ فالمصيبة علينا جميعاً.
لم أجادله.
سحبتُ هاتفي وفتحتُ صورة.
صورة وثيقة الدين المكتوبة.
توقيعه…
بصمته…
والمبلغ بالكامل.
شحب وجه “طارق”:
— جاسم… أنت تعلم ظروفي، لا أستطيع السداد الآن.
— لم آتِ لأطالبك، قلتُ له متزناً، أردتُ فقط أن أساعدك على التذكر.
قام واقفاً بسرعة، وعندما غادر، أخذ معه علبة التبغ التي جلبها كـ “هدية”!
السطر الثالث:
> “ابن العم طارق: أنكر ديناً موثقاً وادعى أنه كان استثماراً. وعندما رأى الوثيقة غير كلامه، ثم أخذ هديته وغادر.”
>
ظننتُ أنني رأيتُ كل شيء، لكن في الساعة الثالثة عصراً، وصلت عمتي “خديجة” بسيارة شحن قديمة.
ولم تكلف نفسها حتى مشقة الدخول.
صرخت من خلف السور:
— يا “أم جاسم”! جئتُ لأسترد الأريكة والطاولة اللتين أعرتكما إياهما!
خرجت أمي مذهولة.
تلك الأريكة المتهالكة كانت قد أهدتها لها قبل ثلاث سنوات لأنها لم تعد بحاجة إليها!
— لكن يا خديجة… أنتِ قلتِ حينها إنكِ لا تريدينها!
— قلتُ لكِ اتركيها عندكِ مؤقتاً! لم أقل إنها أصبحت ملككِ!
وقفت أمي متسمرة في مكانها، وشفتها ترتجف.
عندها خرجتُ من البيت وقلتُ بنبرة حازمة:
— خذوها.
نظرت إليّ أمي وكأنها لا تفهم ما يحدث.
لكنني كنتُ أفهم كل شيء.
لم أعد إلى القرية لأنني أفلست…
بل عدتُ لأعرف من يسدّ الباب في وجهي عندما يعتقد أنني لم أعد أملك ما أعطيه.
وبينما كان العمال يحملون تلك الأريكة القديمة، رنّ هاتف أمي.