بعت شقتي – محمد نور

رفعت السماعة.

استمعت لثانيتين…

وانسحب الدم من وجهها تماماً.

على الطرف الآخر، كان هناك صوت يقول:

— قولي لـ “جاسم” أن يكفّ عن التمثيل… فنحن نعلم جميعاً أنه باع الشقة وقبض الثمن!

الجزء الثاني والأخير

ظلت أمي ممسكة بالهاتف الملتصق بأذنها.

لم تنطق بكلمة.

بل لم تتنفس حتى.

كنتُ أقف في منتصف حوش البيت، ويداي في جيبي، أراقب رجلين يرفعان تلك الأريكة القديمة إلى شاحنة عمتي “خديجة”. كانت الأريكة مسندها مهشم، وقماشها باهت، وإحدى أرجلها تسندها أمي منذ سنوات بقطعة مقوى مطوية. لا يوجد إنسان بعقله قد يأتي ليطالب بشيء كهذا.

لكن عمتي فعلت.

ليس لأنها بحاجة إليها… بل لأنها ظنت أننا نحن من أصبحنا بحاجة إليها.

— احذرا من ذلك الطرف! صرخت عمتي في العمال. لا تخدشاها!

ضحك أحد العمال بصوت خفيض، فنظرت إليه بشرر:

— إنها ملكي، وأنا أحرص عليها كما أشاء!

تلك الجملة ملأت قلبي بالغثيان.

طوال ثلاث سنوات، كانت تلك الأريكة مجرد “خردة أهديتها لكما لأنها تضيق عليّ البيت”. لكن في اللحظة التي ظنت فيها أنني وأمي أصبحنا في الحضيض، تحولت إلى ملكية ثمينة لا تُقدَّر بمال!

اقتربتُ من أمي:

— من كان على الخط؟

رفعت أمي رأسها ببطء، وكان وجهها شاحباً كالقماش:

— “طارق”… ابن عمك.

الرجل نفسه الذي ينكر ديناً بآلاف الدولارات قبل ساعات، والذي أحضر علبة تبغ رخيصة ليثبت حرصه، ثم استردها فور أن أدرك أنني أحتفظ بوثيقة الدين!

— ماذا قال؟ سألتُها.

تبلعت أمي ريقها بصعوبة:

— قال ألا تتذاكى… وأنهم جميعاً عرفوا أنك باعت الشقة وقبضت الثمن.

التفتت عمتي “خديجة” الواقفة عند الشاحنة برأسها قليلاً. لم يكن التفاتاً كاملاً، بل بقدر ما يثبت أنها كانت تستمع لكل كلمة.

وقفتُ مكاني لا أتحرك.

كان هواء العصر يثير الغبار في الحوش. وصوت باب الخشب يصرخ مع كل هبة نسيم. كان كل شيء كما هو منذ طفولتي، ومع ذلك شعرتُ في تلك اللحظة أن هذا المكان لم يعد بيتي… بل كان مسرحاً، والجميع بدأوا يسقطون أقنعتهم.

— عمتي خديجة، قلتُ بصوت هادئ.

تظاهرت بأنها تعدل الغطاء على الشاحنة:

— ماذا تريد؟

— لا تنسي الطاولة.

نظرت إليّ أمي بفزع:

— جاسم…

دخلتُ البيت قبل أن تتكلم، وحملتُ طاولة الشاي الصغيرة بيديّ. كانت قديمة وبها آثار كؤوس ساخنة تعود لسنوات. أمي كانت تغطيها دائماً بمفرش ملون حتى لا يظهر تلفها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *