بعت شقتي – محمد نور

خرجتُ بها إلى الحوش وضعتها عند الشاحنة:

— خذيها أيضاً… حتى لا تقولي غداً إن أمي سرقت منكِ طاولة.

اصفرّ وجه عمتي من الخجل والغضب:

— لا داعي لهذه اللهجة! أنا جئتُ لآخذ ما هو لي فقط!

— بالتأكيد يا عمتي… ما هو لكِ فقط.

كان صوتي هادئاً للغاية… وهدوئي أزعجها أكثر من أي صراخ.

حمل العمال الطاولة، وصعدت هي إلى الشاحنة، وقبل أن تتحرك نظرت إليّ بابتسامة متكلفة:

— جاسم… طالما أن أمورك ليست بذاك السوء كما أدعيت، فلا ينبغي لك أن تتلاعب بعائلتك. المرء لا يخدع أهله.

نظرتُ في عينيها:

— معكِ حق يا عمتي… المرء لا ينبغي له أن يخدع أهله.

لم تفهم المغزى، أو فضّلت ألا تفهمه. وانطلقت الشاحنة مخلفة سحابة غبار.

دخلت أمي إلى البيت وجلست عند طاولة المطبخ. يداها اللتان بحثتا الليلة الماضية في الصناديق عن دنانير معدنية من أجلي، كانتا ترتاحان الآن على المفرش البلاستيكي.

وقفتُ أمامها، وساد الصمت ثواني طويلة، ثم سألتني دون أن ترفع صوتها:

— هل هذا صحيح؟

— نعم.

— باعت الشقة؟

— نعم.

— ولم تفلس؟

— لا.

عُقد الصمت بيننا ثقيلاً.

أغمضت أمي عينيها وقالت:

— كذبتَ عليّ يا جاسم.

لم أستطع الدفاع عن نفسي، لأنها كانت محقة.

يمكنني أن أقول إن لدي أسباباً، وأنني تعبتُ من استغلال الأقارب لي طوال سنوات، وأنهم لا يذكرون رقم هاتفي إلا للطلب والمساعدة… كل هذا كان صحيحاً.

لكن حقيقة واحدة ظلت أسطع من كل ذرائع العالم: لقد كذبتُ على أمي.

على الشخص الوحيد الذي لم يكن بحاجة لاختبار.

— سامحيني، قلتُ بنبرة منكسرة.

فتحت عينيها:

— لماذا يا بني؟

— لأنني تعبتُ منهم جميعاً… من “عائشة”، و”أبي طارق”، و”طارق”، و”خديجة”… من كل أفراد العائلة الذين لا يظهرون إلا إذا انكسر أنبوب، أو احتاج أحدهم لأقساط جامعة، أو بناء بيت، أو علاج، أو مشروع… ومن الذين يطلبون المال ثم يغضبون إذا ذكّرتهم به!

أخرجتُ هاتفي وفتحتُ الصور والأدلة، وأريتها التحويلات الماليّة والديون التي بلغت آلاف الدنانير والدولارات لأقاربنا، والتي لم يسترد منها فلس واحد.

نظرَت أمي إلى الشاشة، ثم غطت فمها بيديها:

— جاسم…

— باعتُ الشقة ولم أرد الإفصاح عن المال، لأنني أعلم أنهم إن علموا، فستبدأ القصص والمآسي لا تنتهي… وإن قلتُ “لا”، سأكون أنا الشرير القاسي!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *