أبي وأخي – محمد نور

 

الجزء الأول: الخدعة والألم

كان أول ما فعله والدي عندما امتدت يدي نحو أزرار معطفه هو أن صرخ متألماً. أما الأمر الثاني الذي فعله، فهو ترجيّ ألا أدع أخي يعلم بأني رأيت الخوف في عينيه.

قطعت مسافة قيادة استمرت لست ساعات لأفاجئه بمناسبة عيد ميلاده الثامن والسبعين. كان المنزل يبدو أكثر ترتيباً ونظاماً من أي وقت مضى، ومع ذلك كان هناك شيءٌ ما يشعرني بالريب. كل الستائر كانت مغلقة في وجه شمس الظهيرة الساطعة، وكان الصمت في الداخل يبعث على القلق. استقبلتني “سمر”، زوجة أخي “طارق”، عند الباب وهي ترتدي مجوهرات ثمينة وتحمل على وجهها ابتسامة نفاذ صبر.

قالت ناهرة:

«كان عليكِ الاتصال أولاً.. والدكِ أصبح يخلط في الأمور ويتشتت كثيراً.»

بعد لحظات، ظهر والدي خلفها. كان يبدو أنحف بكثير مما كان عليه قبل ثلاثة أشهر فقط، وكان يرتدي معطفاً صوفياً ثقيلاً رغم دفء المنزل.

همست بنبرة خافتة: «أبي؟»

امتلأت عيناه بالدموع على الفور، لكنه لم يجرؤ على عناقي إلا بعد أن ابتعدت “سمر”.

في وقت لاحق من ذلك المساء، أصر “طارق” على أنه وزوجته قد “ضحيا بكل شيء” من أجل رعاية أبي. أاراني بجرأة وفخر إيصالات البقالة، وزجاجات الأدوية، والأوراق القانونية التي تُخوّله إدارة جميع شؤونه المالية.

أضافت سمر بنبرة باردة:

«إنه محظوظ لأننا نتحمل نوبات غضبه ومزاجه المتقلب. لقد اختفيتِ أنتِ وراء مسيرتكِ المهنية، فلا تعودي الآن وتدّعي دور الابنة البارة والمخلصة.»

كانا يتوقعان أن يخرسني الشعور بالذنب، وهو السلاح الذي خدعا به الكثيرين ممن صدقوا رواية “طارق” الملمعة والزائفة للحقائق.

كتفيْتُ بابتسامة هادئة وقلت: «معكما حق.. يلزمني أن أساعد طالما أنني هنا.»

في ذلك المساء، عرضتُ على أبي أن أساعده في الاستحمام. لكنه جفل وارتعد لدرجة أن كوب الماء سقط من بين يديه.

همس باكياً: «أرجوكِ.. لا تخلعي عني المعطف!»

أغلقتُ باب الحمام بالمفتاح، وتشغيل صنبور المياه ليعلو صوتها ويغطي على حديثنا، ثم سحبتُ المعطف برفق عن كتفيه.

كانت الكدمات الداكنة تغطي أضلاعه وكتفيه، وآثار حبال حمراء غائرة تحيط بمعصميه. وتحت الكدمات الأرجوانية الحديثة على ظهره، كانت هناك كدمات قديمة تميل إلى الأصفرار.

توقف نفسي من هول الصدمة.

«من فعل بك هذا؟»

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *