كنت بحب بنت واهلها رفضوني ٢

حسيت برغبة مجنونة إني أروح أكلمها، أقولها إني كنت غبي، إني ظلمتها وظلمت نفسي. خطيت خطوة، بس رجلي اتسمرت مكانها لما شوفت بنتي بتلتفت وتبص ناحيتي.. عيني جت في عين البنت، بس البنت معرفتنيش، أو يمكن ملامح الوجع اللي في وشي خلتها تخاف، لفت وشها بسرعة واستخبت في ضهر والدتها.

اللحظة دي كسترت جوايا آخر حتة كبرياء. رجعت البيت وأنا تايه.

دخلت الشقة، لقيت خناقة دايرة بين مراتي وابنها، وصوت الصريخ مالي المكان. قعدت على الكنبة وحطيت الموبايل قدامي.. مفيش رسايل مبهجة، مفيش لهفة مراهقة، مفيش غير واقع مرير أنا اللي صنعت تفاصيله بإيدي.

قامت مراتي من جنب ابنها وجت وقفت قصادي، وبنبرة خالية من أي مشاعر قالتلي: “أنا كلمت أهلي في بلد بره، وشافولي فرصة شغل هناك كويسة.. أنا هسافر يا رامي، ومش هقدر أكمل في العيشة دي.. أنا جيت مصر عشان أرتاح، مش عشان أعيش في نكد ومقارنات إنت دايماً حاططني فيها بنظراتك”.

بصيت لها بذهول وقلت: “تسافري؟ وإحنا؟ والجواز اللي هديت بيتي عشانه؟”

قالت بكل برود وقسوة، نفس البرود والقسوة اللي أنا استخدمتهم زمان: “الجواز مش حب وبس يا رامي.. الحب مبيأكلش عيش، وإنت مش قادر توفرلي العيشة اللي أنا عايزاها.. أنا هاخد ابني وأسافر، وإنت شوف حياتك”.

سابتني ودخلت الأوضة تلم هدومها للمرة التانية في حياتها، بس المرة دي مكنتش مظلومة.. المرة دي كانت بتنهي الحكاية بنفس الأنانية اللي بدأت بيها.

قعدت في الصالة لوحدي، الصمت المرعب رجع يملى المكان تاني، بس المرة دي مكنش صمت انتصار.. كان صمت الهزيمة الكاملة. لقيت نفسي بمسك الموبايل، وبكتب رسالة لمراتي الأولى.. رسالة مكنتش عارف هبعتها ولا هتموت في تليفوني.. كتبت لها: “أنا آسف.. أنا ضيعت الجنة اللي كانت في إيدي”.

فضلت باصص للرسالة على شاشة الموبايل والدنيا بتلف بيا. صباعي كان بيترعش فوق زرار الإرسال.. هل من حقي أبعتها؟ هل من حقي بعد ما هدّيت كل حاجة وكسرتها بدم بارد، أرجع أصحّي أوجاعها تاني عشان بس أنانيتي وطمعي في راحة بالي؟

مسحت الرسالة. مسحتها وأنا حاسس بغرغرة في حلقي ودموع مغرقة عيني. اكتشفت إني حتى وأنا ندمان، لسه بفكر في نفسي وفي وجعي أنا، مش في وجعها هي.

تاني يوم، البيت فضي تماماً. سافرت هي وابنها، وسابتلي الشقة حيطان باردة تترد فيها أصوات ندسي وفشلي. قعدت على الكنبة، وبقيت أبص حواليا.. الشقة اللي كانت زمان بتبرق من النظافة والنظام، واللقمة اللي كانت بتتحطلي بحب ونفس صافية، كل ده اختفى. بقيت عايش على الأكل الجاهز، والمواعين متلتلة في المطبخ، والتراب مغطي كل مكان.. مكنتش لاقي طاقة أقوم أعدل كباية مقلوبة، كأن البرود اللي كنت بعامل بيه مراتي الأولى، ارتد في قلبي وجمد حركتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *