كنت بحب بنت واهلها رفضوني ٢

مرت شهور وأنا عايش زي الميت. بروح الشغل وأرجع، لا كلمة حلوة بتتقالي، ولا ضحكة بتستناني، ولا حتى خناقة تشغل الصمت. بقيت بتهرب من الشغل للبيت، بعد ما كنت بتهرب من البيت للشغل.. الزمن دار وخلاني أدوق نفس الكأس؛ بقيت بقعد بالساعات لوحدي مستني حد يكلمني أو يسأل عليا، ومفيش. والدتي مابقتش تجيلي، وأصحابي اتنفضوا من حولي بعد ما شافوا إني بعت بيتي وبنتي ومراتي الأصيلة ورا وهم مكملش كام شهر.

في يوم، وأنا بقلب في حسابات التواصل الاجتماعي في نص الليل، والسهد أكل عيني، شوفت صفحة أخت مراتي الأولى منزلة صور من مناسبة عائلية. قلبي دق بعنف.. فضلت أفر في الصور لحد ما شوفتها.

كانت واقفة وسط أختها وأمها، ولابسة فستان راقي جداً والضحكة منورة وشها، ضحكة ماليها الثقة والراحة. وبنتي.. بنتي كانت واقفة جنبها كبرت وبقت زي القمر، بتضحك للكاميرا بكل براءة. مكنش باين عليهم أي أثر للكسرة اللي سيبتها فيهم، بالعكس، كأنهم اتولدوا من جديد يوم ما خرجوا من عتبة بيتي.

في اللحظة دي، الفكرة لمعت في دماغي زي القشة اللي بيتعلق بيها غريق. أنا لازم أصلح اللي عملته.. لازم أروح وأعتذر، وأبكي تحت رجليها عشان ترجعلي. هي طيبة ونفسها صافية، وطول عمرها كانت بتتمنى مني نظرة رضا، أكيد لو شافتني مكسور وندمان كدا قلبها هيحن.

جمعت كل شجاعتي، ونزلت تاني يوم اشتريت لعبتين كبار لبنتي، وشيكولاتة من الغالية اللي عمرها ما دخلت بيتي في وجودها، ورحت على بيت أهلها وأنا قلبي هيقف من الخوف واللهفة.. لهفة تختلف تماماً عن لهفة المراهقة الغبية اللي عشتها من شهور، دي كانت لهفة راجل غرقان وشايف طوق النجاة قدامه.

وصلت تحت البيت، ووقفت أخد نفسي.. ركبي مكنتش شيلاني. طلعت السلم خطوة خطوة وكأن على كتافي جبال. وقفت قدام الباب، ورفعت إيدي المرتعشة وضغطت على الجرس.

ثواني والباب اتفتح.. اللي فتح كان والدها. راجل وقور، أول ما شافني ملامحه اتقلبت للجدية التامة، بس مكنش فيه غضب، كان فيه هدوء مرعب.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة، أو الهدوء اللي بعد ما كل حاجة تنتهي.

بصلي وقال بنبرة ناشفة: “عايز إيه يا رامي؟”

بلعت ريقي وبدأت أتكلم وصوتي بيترعش: “عمي.. أنا جاي وطمعان في كرمك وأصلك.. أنا غلطت، غلطت في حق بنتك وفي حق نفسي، وجاي وعايز أشوفها وأصالحها.. أنا عرفت قيمتها والله، والبيت من غيرها ضلمة، وبنتي وحشتني.. أرجوك خليني أكلمها”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *