زواج اون لاين

​لكن عيني وقعت على شخص يجلس في الزاوية.. شخص ذو لحية كثة مبعثرة غير مهندمة، يرتدي كنزة شتوية مهترئة بها ثقب فاضح عند المرفق، وبنطاله عليه بقع زيت وجفاف طين، وكان يجلس بطريقة عفوية مفرطة يأكل ساندوتش وجبات سريعة بشراهة ويمسح فمه بظاهر يده المليئة بالخدوش!

​وفجأة، التقت عيناه بعيني.. وقف، مسح يده بطرف بنطاله، وتقدم نحوي بابتسامة واسعة وقال:

— “أنتِ يارا؟.. أنا طارق، سألتكِ في الرسائل وأرجو ألا يكون السفر قد أتعبكِ”.

​في تلك اللحظة، سقطت حقيبتي من يدي، وشعرت بركبتي لا تقويان على حملي. دارت الدنيا بي وتأكدت بيقين تام أنني ارتكبت للتوّ أكبر وأبشع خطأ في حياتي! هل هذا هو الرجل الذي أحببت عقله؟ هل هذه هي الصورة التي خدعتني؟!

​تزوجته “أونلاين” من وراء الشاشة.. (الجزء الثاني والأخير)

​الكلمات تجمّدت في حلقي، وصوته الدافئ وهو ينطق اسمي كان التناقض الوحيد مع مظهره الذي يصرخ بالإهمال. كان أول قرار قفز إلى عقلي هو أن ألتفت بكعب حذائي وأركب أول قطار يعيدني من حيث أتيت.

​لكن، خطوة واحدة للخلف جعلت صورة أبي وزوجته تقفز أمام عيني؛ تذكرت نظرات الشماتة التي تنتظرني، وعبارات من عينة: “ألم نقل لكِ إنكِ فاشلة؟ ها قد عادت مكسورة من رجل الإنترنت!”. كبريائي وأنفتي رفضا الهزيمة. وفي نفس اللحظة، تحرك شيء ما في داخلي؛ صوت خفيض يطلب مني الاستمرار.

​لم ألتفت. خطوت نحوه بخطوات واجفة، وركبت معه السيارة الصامتة. طوال الطريق نحو بيته في مدينته البعيدة، لم يبرر طارق مظهره بكلمة واحدة، ولم يعتذر عن الثقب الذي في كنزته، كان الصمت سيد الموقف، لكنه كان صمتاً يقطر احتراماً؛ يفسح لي الطريق، ويتعامل بشهامة بالغة دون أن يفرض وجوده.

​لقد جئت وأنا أشحذ أسلحتي النفسية بالكامل لأدافع عن نفسي ضد زوج متسلط، متوقعة أن يرى طارق في عقد زواجنا صك ملكية لجارية، أو جارية لبيته. لكنه، وبدلاً من ذلك، حين وصلنا أشار إلى غرفة مستقلة في طرف المنزل وقال بنبرة واضحة:     Ahmad Suliman

— “هذه الحجرة لكِ وحدكِ.. لها مفتاح ومزلاج من الداخل. نحن زوجان على الورق فقط، ولن يجتمع شملنا إلا إذا تلاقت الرغبتان بملء الإرادة والانسجام التام”.

ثم تركني، وأغلق الباب من الخارج ومضى لينام على أريكة الصالون في الخارج.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *