قالت له لاتلمس البندقية

المرفق الأيسر ثبت على السجادة، والمرفق الأيمن انضم للداخل، والخد استند على مؤخرة البندقية حتى قبل أن يتوقف الاهتزاز الطفيف للمسند الثنائي بالكامل. هبط معدل تنفسها إلى ريتم أبطأ من تنفس شخص نائم.

أما راصد الأهداف بجانبها، فكان مجنداً شاباً يُدعى رامي. في الرابعة والعشرين من عمره. قيل له هذا الصباح إنه سيكون راصداً لـ “المهندسة”، وظن أن الأمر يقتصر على استعراض بلوحة ملاحظات ورقّية. كان يمسك ببطاقة البيانات، ولم تكن يداه ثابتتين.

قال بتوتر: “يا دكتورة… الرياح تدفع بقوة تسع درجات من جهة الساعة الثانية والنصف. والسراب يتصاعد وراء الستمائة متر.”

أجابت بهدوء: “أعلم.”

“الهدف على بُعد…”

“أعلم.”

صمت رامي.

من خلفهما، تحرك أربعمائة قناص بهدوء ليشكلوا حلقة نصف دائرية حول الممر الأول. لم يصدر أحد أمراً بذلك، ولم يكن هناك داعٍ للأوامر. وقف العقيد خالد (مدير الميدان) واضعاً يديه متقاطعتين خلف خط الرماية، بملامح وجه جامدة لا تفسر شيئاً.

وكان طارق واقفاً بينهم.

أعاد إليه أحدهم نظارته الشمسية، فأمسكها بيده ولم يرتدها. كان ظهره يؤلمه، وكبرياؤه يؤلمه أكثر. لكن أكثر ما شعر به كان غصة جافة في حلقه لم يجد لها اسماً بعد.

لم تنظر سمر إلى أعلام الرياح.

بل كانت تراقب الغبار.

إعصار غباري صغير انبعث من أرض الصحراء على بُعد نحو أربعمائة متر، يتحرك ببطء متجهاً شرقاً بسرعة مشية بطيئة. راقبته لست ثوانٍ تقريباً. ثم قامت بتحريك قرص الارتفاع مرتين، ثم أعادته طقة واحدة للخلف.

قالت: “الهدف.”

همس رامي: “جاهز للرصد.” لم يكن ينبغي له أن يهمس، لكنه لم يستطع السيطرة على نبرته.

وانطلقت الرصاصة.

لم يكن دويّها صاخباً مثل طلقات طارق؛ بندقية طارق كان لها زئير، أما هذه فكانت لها فرقعة حادة وقصيرة، مثل فرقعة السوط لأنه يتجاوز سرعة الصوت قبل أن تسمعه.

صمت طويل.

صمت أطول.

من نوع الصمت الذي يجعلك تبدأ في التفكير بأنها أخطأت الهدف ربما، أو أن الأسطورة مجرد كذبة، أو…

**طنّ.**

أومضت الشاشة الرقمية للنتائج:

**2,104 أمتار.**

**فوهة باردة. الطلقة الأولى. في منتصف المجسم الحديدي تماماً.**

هدف لم يحاول أي قناص في هذا الميدان استهدافه قط، لأن أحداً لم يكن يعتقد أن ذلك ممكن أصلاً.

سرى صوت بين الحشد. لم يكن هتافاً، بل كان أشبه بالصوت الذي يصدره الجمهور عندما يتبين أن شيئاً لم يكونوا يؤمنون به قد أصبح حقيقة واقعة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *