الارث والاقنعه المتساقطة

جاء من طريقته المريبة في مراقبة كل قرش.

جاء من مكالمات الأحد الهاتفية مع والدته، تلك التي كانت تخفت نبرتها فجأة بمجرد دخولي الغرفة.

جاء من ذلك الصقيع الذي خلفه الحزن في كل زوايا حياتي بعد رحيل والدي.

لذا، كذبتُ.

أخبرتُ طارق أن تجارة أبي غارقة في الديون.

أخبرتُه أن وظيفتي قد تُقلص.

وأننا قد نقع في مأزق حقيقي.

كنتُ أنتظر منه أن يمسك بيدي ويطمئنني.

لكنه تطلع إلى الأرقام فورًا.

“كم تبلغ هذه الديون تحديدًا؟”

هذا كل ما سأل عنه.

لم يسأل إن كنتُ قد أكلت.

لم يسأل إن كنتُ خائفة.

لم يسأل إن كان اسم والدي المكتوب على ملف الديون قد كسر قلبي.

كل ماهَمّه هو صافي الخسارة.

## الجزء الثالث: الصقيع

بعد ذلك، أصبح زوجي حذرًا في تعامله معي بطريقة بدت أقسى من السادية نفسها.

كان يعود إلى البيت متأخرًا.

يُدير شاشة حاسوبه بمجرد أن أمر بجانب مكتبه.

وتوقف تمامًا عن مساندتي بلمسة حانية أو مواساتي وهو يتحرك حولي في المطبخ.

وفي كل يوم أحد، كانت والدته تتصل.

في إحدى المرات سمعته يقول لها: “هي لا تعرف أنني علمتُ بالأمر بعد”.

وعندما سألته، ابتسم وقال لي إن الأمر يتعلق بطلاق شقيقه.

تلك الابتسامة كانت أول شرخ حقيقي في جدار ثقتي به.

نصحتني صديقتي المقربة «ليلى» بألا أواجهه الآن.

قالت لي: “فقط اجمعي معلوماتك أولاً”.

لذا اتصلتُ بمحامي تركة والدي.

ثم اتصلتُ بمحامٍ متخصص في قضايا الأحوال الشخصية وأنا أقف بسيارتي في موقف سيارات مقهى “سيلانترو”، وكوب القهوة يبرد بجانبي، ويداي تقبضان على عجلة القيادة بعنف.

وثّقي كل شيء.

لا تتركي البيت.

ولا تضعي قرشًا واحدًا من الميراث في حساب مشترك.

كانت هذه هي النصيحة.

وقد نفذتها بحذافيرها.

أبقيتُ الملف في حقيبة عملي.

أبقيتُ على ابتسامتي المصطنعة على عشاء كل ليلة.

وظللتُ أراقب الرجل الذي وصفه والدي يوماً بأنه “سندكِ ورجلكِ”، وهو يتصرف كغريب أضاع نص حواره في مسرحية هزلية.

## الجزء الرابع: المواجهة

ثم جاء يوم الثلاثاء.

فتحتُ الباب المؤدي من المرآب إلى المطبخ بأكبر قدر ممكن من الهدوء.

كانت رائحة البيت مزيجًا من عطر حماتي «فايزة» وقهوة «طارق».

سمعتُ صوتيهما قبل أن ألمحهما.

جاء صوت «فايزة» خفيضًا وحادًا من غرفة المعيشة:

“لا يمكنك الاستمرار في المماطلة هكذا يا طارق”.

تسمرتُ في مكاني ويدي لا تزال على مقبض الباب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *