الجزء الثاني وفقاً لصفحات الإنترنت، كان في السادسة والثلاثين من عمره، غير متزوج، شديد الخصوصية، ويمتلك أموالاً تفوق الخيال. أما وفقاً للزوايا المظلمة من الإنترنت، فإن أعماله القانونية لم تكن سوى الواجهة الظاهرة لإمبراطورية عائلية سيطرت على دهاليز المدينة لثلاثة أجيال. بحلول منتصف الليل، كنت قد قرأت ما يكفي لأتوقف عن القراءة. في الصباح التالي، وجدّتُ ظرفاً معلقاً على باب المحل. في الداخله كانت هناك زهرة بابونج ورسالة مكتوبة بخط اليد: "شكراً لكِ على إضاءة يوم عصيب". ولم يكن هناك توقيع. في الصباح الذي يليه، ظهر ظرف آخر، وهذه المرة كان يحتوي على وردة صفراء: "يبدو العالم أفضل عندما يختار الناس اللطف". بحلول نهاية الأسبوع، كانت خمس بطاقات تقف بجانب آلة تسجيل النقد. ثم بدأ الزبائن يتدفقون. عرائس، أزواج، مساعدو شركات، مديرو فنادق، ومنظمو حفلات؛ أتوا من كل حدب وصوب. حتى إن امرأة طلبت تنسيقات طاولات بقيمة ستة آلاف دينار لعشاء خيري. وعندما سألتها كيف سمعت عن "أزهار منصور"، ابتسمت وقالت: "قال رجل نبيل في حفل مؤسسة الروماني إن محلكِ هو الوحيد الذي يستحق الزيارة". إنه سيف. كان قلبي لا يزال يتسارع عندما رنّ جرس الباب في ذلك المساء. كان هو واقفا عند الباب، المطر على كتفيه والذنب في عينيه. طويت ذراعيّ وقلت: "لقد كنت مشغولاً على ما يبدو". بدا سيف الروماني العظيم، لثانية واحدة مذهلة، محاصراً. وقال: "لقد ذكرتُ محلكِ لبضعة أشخاص". "لبضعة أشخاص؟" "عائلاتهم كبيرة". "وهل تحتاج كل عائلاتهم إلى الأوركيد؟" أجاب: "على ما يبدو". وقبل أن يجيب، رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة، فجرى الدم من وجهه. أسكت المكالمة، لكنه رنّ مجدداً على الفور. سألته: "من المتصل؟" نظر نحو الشارع، حيث توقفت سيارة رمادية في مواجهة المحل. قال لي بصوت منخفض: "ديما، أقفل الباب". أدرتُ لافتة الباب إلى "مغلق" بأصابع شعرت فجأة بأنها عاجزة. ولم يتحرك سيف حتى سُمع صوت قفل الباب الإضافي. عندئذ فقط أجاب على الهاتف. استمع دون أن يتكلم، ثم قال أخيراً: "ماذا تعني بأنه اختفى؟" صمت. "لا. لا تقتربوا من المبنى". صمت آخر. ثم ارتفعت نظرته إليّ وقال: "أنا بالداخل بالفعل". أنهى المكالمة. بدا المحل وكأنه يضيق حولنا، مزدحماً بعطر الزنابق والخوف. قال: "هناك من تعقبني إلى هنا". كدت أضحك، مثلما فعلت عندما اشترى كل زهور المحل، لكن لم تكن هناك أي دعابة في عينيه. سألته: "من أنت حقاً؟" أجاب: "لقد ورثت منظمة خارجة عن القانون". قلت: "هذا ليس جواباً على سؤالي". قال: "نعم، ليس كذلك". وقبل أن يتاح لي الوقت للضغط عليه، سُمعت ثلاث طرقات خفيفة من خلف المحل. ليس من الباب الأمامي، بل من باب المستودع الخلفي. انقطع نفسي. لا يوجد زبون يستخدم مدخل الأزقة الخلفية. تحرك سيف أمامي بسرعة كبيرة حتى إن معطفه لامس يدي وقال: "ابقِ خلفي". تكرر الطرق مرة أخرى، أبطأ هذه المرة، وبشكل متعمد. مدّ سيف يده إلى داخل معطفه. تسلل صوت رجل عبر الباب: "ديما منصور؟ أنا أعلم ما خبأته والدتكِ داخل جدران هذا المحل". شعرت وكأنه الأرض تميل بي. وهمست: "أمي ماتت". نظر إليّ سيف، وتحول الخوف في وجهه إلى شيء أسوأ: الإدراك. وزمجر قائلاً: "لم تكوني تعلمين". "أعلم ماذا؟" اهتز الباب الخلفي إثر ضربة عنيفة واحدة. وسقطت مزهرية من الرف خلفي وتناثرت شظاياها على الأرض. أمسك سيف بمعصمي وسحبني نحو غرفة التخزين. اهتز الباب مرة أخرى. ثم رأيت ذلك؛ خلف خزانة أشرطة الزفاف القديمة، كانت هناك طوبة قد سقطت من الجدار. وداخل ذلك التجويف الضيق، كان هناك صندوق مخملي أسود. وعلى غطائه، نُقش بالذهب: شعار عائلة الروماني. لثانية واحدة، لم يتحرك أي منا، ثم همس سيف: "يا إلهي". تكسر خشب الباب الخلفي. التقطتُ الصندوق، وسحب سيف خزانة الأشرطة بقوة كاشفاً عن فتحة خدمة ضيقة في الأرضية. قلت له: "لم أرَ هذا من قبل". قال: "ولا الرجل الذي يقتحم الباب الآن رآه". تكسر الخشب خلفنا، فرفع سيف غطاء الفتحة حيث اختفى سلم صدئ في الظلام وقال: "انزلي". ضممت الصندوق المخملي إلى صدري وسألت: "ماذا يوجد بالأسفل؟" أجاب: "حالياً؟ خيار أفضل مما هو بالأعلى". نزلتُ وتبعه سيف، وأغلق الغطاء فور اقتحام باب غرفة التخزين. وهبطنا داخل ممر قبو قديم مليء بالأنابيب والغبار ورائحة الحجر المنسي الرطب. فوقنا، دوت أصوات خطوات عنيفة. همستُ: "من هذا؟" "رجل يدعى ظافر". "وماذا يريد؟" "الصندوق". "وماذا يوجد فيه؟" "إذا كان ما أظنه، فهو يحوي ما يكفي لتدمير عائلتي بالكامل". أسرعنا عبر الممر، وسألته: "إذن لماذا كان داخل جدار أمي؟" كان صمت سيف جواباً كافياً؛ إنه يعرف أكثر مما أخبرني به. عند الطرف الآخر من الممر، دفع باباً حديدياً أدى إلى قبو المبنى المجاور. وكانت هناك سيارة دفع رباعي سوداء تنتظر في الزقاق. صعدنا بسرعة، وانطلقت السيارة بأقصى سرعتها قبل أن تُغلق الأبواب بالكامل. تجاهلتُ تسارع أنفاسي، وبقيت عيناي شاخصتين نحو الصندوق المخملي. سألته: "إلى أين نحن ذاهبون؟" "إلى مكان آمن". "بمفهومك للأمان أم بمفهومي؟" ارتفعت نظرته لتقابل نظرتي وقال: "الليلة يا ديما، المفهومان واحد". وصلنا إلى مشتل زجاجي مهجور يطل على أطراف المدينة، كان السقف الزجاجي قد رُمم بصفائح معدنية، وضَع سيف الصندوق المخملي على طاولة العمل وقال: "قد يكون هناك فخ بالداخل؛ جهاز تتبع، سم، أو إنذار". سألته: "هل كانت أمي تخبئ صناديق مجوهرات متفجرة في الجدران؟" أجاب: "أُمكِ لم تكن الشخص الذي تظنينه". وقعت الكلمات عليّ كالصفعة. قلت: "أنت لم تقابلها قط". قال: "لا، لكن والدي كان يثق بامرأة تدعى إلهام منصور". حدقت فيه قائلة: "أمي". تابع: "كانت مسؤولة الأرشيف المالي لوالدي". "لقد كانت بائعة زهور". "لقد أصبحت بائعة زهور لاحقاً". تراجعت عن الطاولة وقلت: "لا, لقد امتلكت المحل لثلاث وعشرين سنة". "وقبل ذلك، كانت تعمل لصالح عائلتي". بدأ عقلي يستحضر ذكريات مجتزأة؛ أمي وهي تتأخر ليلاً "لإنهاء الفواتير"، عادتها في قفل باب المكتب كلما وازنت الحسابات، الندبة القديمة على كتفها التي كانت تلوم عليها حادثاً في طفولتها، والطريقة التي كانت تتفحص بها كل سيارة تقف في الخارج قبل الإغلاق. تابع سيف بحذر: "اكتشفت إلهام أن شخصاً ما داخل منظمة الروماني كان يحول الأموال عبر جمعيات خيرية وهمية ويأمر بعمليات تصفية باسم والدي". "من؟" "لم نعرف قط. خطط والدي لفضح الخائن، وقبل أن يتمكن من ذلك، انفجرت سيارته". شعرت بالدم يهرب من وجهي وسألته: "وأمي؟" "اختفت في الليلة نفسها". "لم تختفِ، لقد ربتني". "ربما تحت هوية مختلفة". "إلهام منصور كانت هويتها الحقيقية". "إذن فقد أخفت أجزاءً منها عنا نحن الاثنين". كان للصندوق قفل نحاسي صغير. وتذكرتُ أنني في بطانة معطف أمي القديم، وجدت ذات مرة مفتاحاً رفضت تفسيره. وبعد وفاتها، احتفظت به في درج مجوهراتها، وأرتديه الآن في قلادة تحت قميصي. بردت يداي وأنا أخرجه. حدق سيف وقال: "هذا المفتاح..." قلت: "كان لأمي". انزلق المفتاح بمثالية داخل القفل، وانفتح الغطاء بنقرة ناعمة. في الداخل، كانت هناك زهرة بابونج مجففة، صورة فوتوغرافية باهتة، مفتاح نحاسي، وظرفان مغلقان. رفعتُ الصورة؛ كانت أمي تقف في حديقة مشمسة بجانب امرأة شابة ذات شعر داكن وجمال أخاذ لم أرها من قبل. وخلفهما وقف والد سيف، "كامل الروماني". وبجانبه وقفت نسخة أصغر سناً من المرأة التي أعرفها باسم السيدة أمينة. انقطع نفسي: "لا..." أخذ سيف الصورة، وتصلب وجهه تماماً. سألته: "هل تعرفها؟" تحرك إبهامه فوق صورة السيدة أمينة وقال مذهولاً: "لقد ماتت قبل واحد وعشرين عاماً". "هذا مستحيل، كانت في محلي بالأمس". "من هي؟" "أمينة..." امتلات عينا سيف بشيء يشبه الحزن وهمس: "لا... اسمها قمر الروماني. إنها جدتي". ساد صمت مطبق في المشتل. فجدة سيف كان يُفترض أنها ماتت في حريق فيلا عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، ولم يُعثر على رفاتها قط. قلت له: "لقد كانت تأتي إلى محلي كل يوم خميس منذ أربع سنوات". نظر سيف إلى الصورة وقال: "إذن فقد كانت تختبئ في وضح النهار". فتحتُ الظرف الأول، وكان موجهاً إليّ بخط يد أمي: "حبيبتي ديما، إذا كنتِ تقرئين هذا، فإن العاصفة التي تمنيتُ أن تمر قد وجدتكِ أخيراً. أنا آسفة على كل حقيقة دفنتها، لقد فعلت ذلك لتكبري محاطة بالبتلات بدلاً من الدماء. لا تعطي محتويات هذا الصندوق لأي شخص لمجرد أنه يدعي الصلاح. فالرجال الصالحون يمكنهم الكذب، والرجال السيئون يمكنهم الحب، والرجال الخائفون يمكنهم التحول إلى وحوش. ثقي بالشخص الذي يفهم لماذا كانت الورود الصفراء مجانية. وتذكري ما علمتكِ إياه: الزهور لا تخفي ما هي عليه أبداً... البشر هم من يفعلون". تغشت رؤيتي بالدموع. وتحت الرسالة، كان هناك دفتر حسابات ضيق مليء بقوائم الزهور، التواريخ، والكميات. وللوهلة الأولى، بدا وكأنه يحتوي على طلبات عادية لسنوات مضت، ثم لاحظت تركيبات مستحيلة؛ سبع وثلاثون زنبقة، إحدى وتسعون وردة بيضاء، وأربع توليبات سوداء في تواريخ لم تكن هذه الزهور متوفرة فيها أصلاً. قلت: "إنها شفرة". اقترب سيف وسأل: "كيف عرفتِ؟" "علمتني أمي لغة أرقام الزهور عندما كنت طفلة، كانت تسميها 'لعبة الحديقة'. الورود تمثل الأشخاص، الزنابق تمثل الأموال، البابونج يعني البراءة، الأصفر يعني الغفران، والأبيض يعني المخفي". لم يكن الدفتر سجلاً لمبيعات الزهور، بل كان سجلاً للأسماء، الحسابات، المدفوعات، والوفيات. لقد أخفت أمي أرشيفاً كاملاً للجرائم على شكل بضاعة محل زهور. بينما قلب سيف عدة صفحات وقال: "هذا الإدخال يعود لليلة وفاة والدي". وبجانب التاريخ، كانت هناك ثلاث توليبات سوداء وزنبقة بيضاء واحدة. ترجمتُ الأرقام: "الحساب 310. الدفعة 1. المستفيد المخفي". وكان هناك اسم مكتوب في الهامش بخط أمي الصغير: (ر. ر.) نظر سيف بعيداً، فسألته: "من هو ر. ر.؟" وقبل أن يجيب، رنّ هاتفه مجدداً. ظهر الاسم نفسه الذي اتصل به في المحل على الشاشة، وهذه المرة رأيته بوضوح: "العم راشد". أجاب سيف وفتح مكبر الصوت، فجاء صوت راشد الروماني غاضباً: "أين أنت؟" "في أمان". قال العم: "ظافر جن جنونه، لقد هاجم محل الزهور وأنا أتعامل مع الأمر الآن". تصلبت تعابير سيف وسأل: "حقاً؟" قال راشد: "أعطني الفتاة والصندوق، وسأحميكما معاً". نظرت إلى سيف، وترددت كلمات أمي في رأسي: الرجال الصالحون يمكنهم الكذب، والرجال السيئون يمكنهم الحب، والرجال الخائفون يمكنهم التحول إلى وحوش. أنهى سيف المكالمة، فهمست: "ر. ر... عمك". قال: "الرجل الذي رباني بعد وفاة والدي". "الرجل الذي وثقت به". "نعم". وكانت الإجابة الأخيرة كفيلة بكسره. في تلك الليلة، جلس سيف بمفرده يتأمل أنوار المدينة البعيدة. قلت له: "لقد اشتريت زهوري لأنك كنت تعرف بشأن أمي". لم ينكر ذلك وقال: "قبل ثلاثة أيام من مجيئي إلى محلكِ، تلقيت رسالة مجهولة مفادها أن أذهب إلى أزهار منصور في الحادية عشرة من صباح الخميس، وأراقب المرأة خلف المنضدة، فإذا وهبت ما لا يمكنها تحمل خسارته، فإن والدي لم يمت سدى". "السيدة أمينة هي من أرسلتها". "على الأرجح". "لقد راقبتني من السيارة السوداء". "نعم". "إذن عندما قلت إنك اشتريت كل شيء لأنني ابتسمت..." قاطعني: "كان ذلك حقيقياً، لكني حاولت ألا أورطكِ، والآن انهار محلكِ". "سأعيده لكِ أفضل مما كان". "أسرار أمي باتت بين يدي". "سأساعدكِ على فهمها وهناك رجال يحاولون قت*لكِ". شدّ على فكه وقال بلغة قاطعة: "لن يلمسوكِ أبداً، وأستطيع أن أجعله آخر وعد أخلفه". تراجع الغضب بداخلي؛ بدا في تلك اللحظة أقل شبهاً برئيس عصبة مهيب، وأقرب إلى صبي ورث عرشاً مبنياً من شواهد القبور. سألته: "هل طلبت من الناس زيارة محلي؟" "نعم، لأنه بعد أن رأيتكِ تهبين تلك الورود، أردت لشيء جميل أن ينجو بسببي. لقد أمضيت نصف حياتي أكون مفيداً لرجال خطرين يطيعونني خوفاً، ثم رأيتكِ تبتسمين لامرأة عجوز بينما تخسرين الشيء الوحيد الذي تملكينه. وللمرة الأولى منذ سنوات، تذكرت أن القوة يمكن أن تُستخدم لإنقاذ شيء ما". أحسست بغصة وقلت: "لقد كنت تخيفني". قال: "كنت أخيف نفسي أيضاً". وكان الظرف الثاني موجهاً إلى سيف، وفتحه عند الفجر: "سيف، كان والدك يؤمن بأنك سترث اسمه، لا خطاياه. آمل أن يكون محقاً. الأدلة في هذا الصندوق يمكنها تدمير راشد، لكن الأدلة وحدها لن تفكك ما صنعه. المفتاح النحاسي يفتح الأرشيف النهائي تحت أزهار منصور. لا تخلط بين الإمبراطورية والعائلة؛ فالأولى يمكن دفنها، أما الثانية فربما لا يزال من الممكن إنقاذها. قمر ستعرف متى تأتي اللحظة المناسبة". وفي الأسفل، أضافت أمي خطاً أخيراً: "دع ديما تختار". قرأ سيف السطر مرتين، فسألته: "أختار ماذا؟" وفجأة تلقى سيف صورة على هاتفه؛ كانت السيدة أمينة تجلس على كرسي خشبي داخل محل الزهور الخاص بي، يداها مقيدتان، وخلفها يتلألأ البنزين المسكوب على الأرض. وظهرت رسالة تحت الصورة: "أحضر الصندوق قبل منتصف الليل، وإلا فإن كل ما حمته إلهام سيحترق". استحال تعبير سيف إلى برود قاتل. قلت قاطعة: "ولن نتركها تموت". قال: "أنتِ لا تعرفين راشد". قلت: "لا، لكني أعرف محلي جيداً". ورفعت المفتاح النحاسي قائلة: "هناك أرشيف آخر تحت أزهار منصور، وهذا ما يريده حقاً". هز سيف رأسه وقال: "لن تدخلي إلى هناك، أمي لم تكن تعلم أن راشد سيضع مس*دساً في رأسكِ". "أمي كانت تعلم تماماً أي نوع من الرجال سيأتون. سيف، هو يتوقع منك أن تأتي برجال مسلحين وسفك دماء. هو لا يتوقع بائعة الزهور التي تعرف أين يقع الأرشيف". حدق فيّ لوقت طويل، ثم زفر وقال: "ما هي خطتكِ؟" قلت: "ليس لدي أدنى فكرة، لكن أمي كانت تملك واحدة". ونظرت إلى دفتر حسابات الزهور. في الحادية عشرة وثمان وأربعين دقيقة من تلك الليلة، دخلتُ "أزهار منصور" حاملة الصندوق المخملي الأسود. كانت النافذة الأمامية قد تحطمت، والماء يقطر من السقف، والبتلات المسحوقة تغطي الأرض كسجّاد ملون ممزق. كانت السيدة أمينة تجلس بالقرب من آلة تسجيل النقد، خصلات شعرها الفضية منسدلة حول وجهها، لكن عينيها كانتا ثابتتين. وقف راشد الروماني خلفها؛ كان وسيمًا بأناقة متكلفة، معطفه بلا شائبة، وابتسامته أبوية تقريباً—وهذا ما جعله أكثر رعباً. وكان ظافر ينتظر بالقرب من الباب الخلفي مع رجلين مسلحين. قال راشد: "ديما منصور... تشبهين أمكِ كثيراً". قلت: "كنت تعرفها". قال: "كنت معجباً بها". قلت: "لقد حاولت ق*تلها". ضاقت ابتسامته وقال: "حاولت تصحيح مسارها". رفعت السيدة أمينة رأسها وقالت: "ما زلت تلبس الق*تل ثوب الكلمات المحترمة يا راشد؟" شحذ نظرته نحوها وقال بجفاء: "أمي". وقعت الكلمة بثقل؛ فجدة سيف التي يُفترض أنها ميتة نظرت إليه دون خوف وقالت: "كنت ذكياً دائماً، لكنك لم تكن حكيماً قط". ضغط راشد بالمس/دس على كتفها وقال: "الصندوق". وضعته على المنضدة وقلت: "اتركها وشأنها". قال: "أولاً، افتحيه". فعلتُ ذلك، ففتش في المحتويات وسأل بحدة: "أين مفتاح الأرشيف؟" رفعته في يدي، فسأل: "إلى أين يؤدي؟" نظرتُ نحو الورود الصفراء المتناثرة على الأرض وقلت: "إلى المكان الذي وثقت به أمي أكثر من غيره". تتبع راشد نظرتي وسأل: "الثلاجة؟" "لا". "آلة تسجيل النقد؟" "لا". فقد صبره وصاح: "أريني!" تحركتُ خلف المنضدة. كانت أمي تخبرني دائماً أن أقدم الزهور في أي محل ليست تلك الموجودة في الثلاجة، بل تلك المنقوشة في البناء نفسه. انزلق المفتاح النحاسي تماماً داخل المركز المعدني لوردة صغيرة بارزة على آلة تسجيل النقد الأثرية. انفتحت مقصورة سرية، ولم يكن بداخلها سوى جهاز تسجيل كاسيت ضيق. حدق راشد وقال: "هذا ليس الأرشيف". قلت: "لا، لكنه مفتاح فهمه". ضغطتُ على زر التشغيل، فملأ صوت أمي المحل: "الحساب سبعة وثلاثون. راشد الروماني. تم تفويض الدفع مقابل تصفية كامل الروماني". تغير وجه راشد تماماً. واستمر التسجيل: "الحساب واحد وأربعون. تم تفويض الدفع لحريق الفيلا والوفاة المفترضة لقمر الروماني". أغلقت السيدة أمينة عينيها. "الحساب ثلاثة وخمسون. تم تفويض الدفع لتصفية إلهام منصور". انقطع نفسي، بينما ابتسم راشد وقال: "نعم، لقد عاشت أمكِ لفترة أطول مما توقعت". مزقني الألم. وفي تلك اللحظة، خطا سيف من بين الظلال بالقرب من النافذة المحطمة، رافعاً س*لاحه وصاح: "لقد قت*لتهم!" وجه راشد مس*دسه نحوه، بينما خرج مسلحون آخرون من الممر الخلفي. رفع ظافر س*لاحه أيضاً. ولثانية واحدة رهيبة، حبس المحل أنفاسه. ثم ضحك راشد وقال: "هل ظننت أنني جئت بمفردي؟" ظهرت أضواء في الخارج؛ وعشرات الرجال المسلحين حاصروا المبنى. قال راشد لسيف: "لقد ورثت عاطفة والدك، وهذا ما جعله ضعيفاً أيضاً". قال سيف بصوت متحشرج: "لقد قت*لت أخاك". أجاب راشد: "أنقذت الإمبراطورية من رجل أراد تحويلها إلى فنادق وجمعيات خيرية". قال سيف: "جعلتني أعتقد أن أعداءنا هم من قت*لوه". قال راشد: "كنت بحاجة إلى الكراهية؛ فالكراهية أسهل في التشكيل من الحزن". استحال وجه سيف إلى سكون تام. فهمت حينها لماذا يخشاه الناس؛ ليس لأنه يصرخ، بل لأنه عندما يصبح الغضب لا يطاق... يصبح صامتاً تماماً. ونظر راشد إليّ وقال: "الأرشيف يا ديما". قلت له: "أنت تقف بداخله بالفعل". ضاقت عيناه، ففتحت دفتر حسابات أمي وقلت: "كل طلبية، كل لون شريط، كل كمية زهور؛ المحل بأكمله هو السجل". قال: "لا يمكنكِ إثبات كيفية فك شفرته". قلت: "أنا لا أستطيع، لكن هي تستطيع". وأشرت إلى السيدة أمينة. تصدع يقين راشد، فابتسمت والدته وقالت: "أنا من علمت إلهام الشفرة". تراجع خطوة إلى الوراء، وتابعت السيدة أمينة: "كنت واثقاً جداً من أن اللطف ضعف، لدرجة أنك لم تفهم قط أنه يمكن استخدامه كقفل. لقد صممت إلهام الأرشيف بحيث لا يمكن فتحه إلا بعد أن تهب ديما شيئاً لا يمكنها تحمل خسارته". همستُ: "الورود الصفراء". أومأت السيدة أمينة وقالت: "الوردات الثلاث لم تفعل شيئاً ميكانيكياً، بل أثبتت فقط من أصبحتِ عليه". ضحك راشد بسخرية: "هذه مسرحية". قالت: "لا، هذه هي الخلافة الحقيقية". ونظرت نحو النافذة الأمامية المحطمة. أومضت أضواء حمراء وزرقاء عبر المطر في الخارج. تغيرت تعابير راشد. وفي الخارج، خفض الرجال المسلحون الذين حاصروا المحل أسلحتهم؛ لم يكونوا رجاله، بل كانوا رجال الأمن العام والمخابرات. قام ظافر ببطء بنزع مخزن الذخيرة من مس*دسه ووضعه على الأرض. حدق فيه راشد بذهول وسأله: "أنت؟" تراجع ظافر خطوة وقال: "كنت أعمل لصالح كامل قبل أن أعمل لصالحك". أمسك راشد بالسيدة أمينة وضغط بالمس*دس على عنقها وصاح: "لا أحد يتحرك!" خفض سيف س*لاحه قليلاً وقال: "اتركها". قال راشد: "أعطني الدفتر". مددته نحوه، فاستقرت عيناه على الصفحات. لم يلاحظ الوردة المطلقة الملقاة تحت حذائه، لكن السيدة أمينة لاحظتها؛ داست بكل قوتها على قدمه وألقت بثقلها جانباً. تعثر راشد، وتحرك سيف في لمح البصر. انطلقت رصاصة، وانفجر الزجاج فوقنا. طار الس*لاح عبر الأرض. مد راشد يده إلى داخل معطفه، فأمسكتُ بأقرب شيء إليّ—الوعاء الخزفي الضخم الذي رفضت أمي بيعه لعشرين عاماً—وهززته بكلتا يدي وضريت به كتف راشد. انخسف أرضاً تحت مطر من الخزف المكسور وبتلات الورود الصفراء. اقتحم رجال الأمن المحل، ولعدة ثوانٍ تحول كل شيء إلى ضوضاء عارمة؛ أوامر، خطوات، زجاج يتحطم. ثم انتهى كل شيء. كان راشد ملقى على الأرض مكبل اليدين. ووقف سيف تحت السقف الزجاجي المكسور، والدم يسيل من جرح فوق عينه. عبرتُ الغرفة ولمست وجهه قائلة: "أنت مصاب". قال: "العروق سليمة". قلت: "إنه يخرج من رأسك حرفياً". نظر إلى الخزف المكسور وقال بمزيج من الدهشة والابتسام: "لقد ضربتِ أخطر رجل في المدينة بوعاء زراعة". قلت: "لقد كان مستورداً". انحنت شفتاه عن ابتسامة حقيقية هذه المرة وقال: "أنتِ مرعبة". قلت: "على ما يبدو". انضمت إلينا السيدة أمينة، فحدق سيف فيها. وللحظة لم يتحرك أي منهما، ثم احتضن جدته. رئيس عائلة الروماني المهاب احتضن المرأة العجوز الصغيرة وكأن عمره عاد خمسة عشر عاماً وأن الحريق لم يحدث قط. همس: "لقد تركتِني". قالت: "بقيتُ على قيد الحياة لأجلك، وكان راشد يسيطر على كل من حولك، وحتى دخلتِ هذا المحل، لم أكن أعلم ما إذا كان يسيطر عليكِ أنت أيضاً". أطلقها سيف وسأل: "إذن أنتِ من أرسلتِ الرسالة؟ وكنتِ تراقبين ديما لأربع سنوات؟" قالت: "بل حميتها لثماني سنوات". نظرت إليها وسألتها: "لماذا لم تخبريني عن أمي؟" أجابت: "لأن إلهام أرادت لكِ حياة لم تلمسها دماؤنا". قاد رجال الأمن راشد نحو الباب، فالتفت نحو سيف وقال: "تظن أن الأمر ينتهي معي؟ أنت رئيس الروماني، الإمبراطورية لك". قالت السيدة أمينة: "لا". التفتت كل الوجوه نحوها، فمدت يدها داخل معطفها وأخرجت وثيقة قانونية مطوية وقالت: "لقد نقل كامل الأسهم المسيطرة في كل شركة قانونية للروماني إلى صندوق ائتماني خاص قبل وفاته". حدق سيف فيها وسأل: "ومن يسيطر على الصندوق؟" نظرت السيدة أمينة إليّ وقالت: "ديما". كدت أضحك وقلت: "هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً". قالت: "كانت أمكِ الوصية الأصلية. وعند وفاتها، انتقلت السيطرة إليكِ بمجرد استيفاء شرطين؛ أن يخاطر سيف طواعية بالإمبراطورية لإنقاذ غريب، وأن تهب ديما منصور ما لا يمكنها تحمل خسارته... الورود الصفراء". كادت ركبتاي تخونانني، وتوقف راشد عن المقاومة وهمس بذهول: "لا..." وتصلب صوت السيدة أمينة وقالت: "لقد ورثت المنظمة الخارجة عن القانون يا راشد، أما ديما فقد ورثت كل ما جعلها قوية ومؤثرة". الفنادق، شركات الشحن، شركات المقاولات، المؤسسات؛ الثروة المشروعة التي استخدمها راشد لدعم إمبراطوريته الخفية باتت الآن ملكاً لبائعة زهور كان محلها على بعد سبعة أيام من الإغلاق. بدأ راشد يضحك ضحكة متقطعة يائسة وقال: "وتظنون أنها تستطيع السيطرة عليها؟" قلت: "لا، أنا سأقوم بتفكيكها بالكامل". درس سيف ملامحي وسأل: "الشبكة بالكامل؟" قلت: "كل جزء منها يقوم على الخوف". لصمت طويل لم يقل شيئاً، ثم نزع خاتم الختم الذي يحمل شعار الروماني من إصبعه ووضعه على المنضدة بجانب البتلات المسحوقة وقال: "سأساعدكِ". توقفت ضحكات راشد. نظر سيف إليه وقال: "لقد أمضيت حياتك تبني عرشاً من قبور الآخرين، وخسرته لأن بائعة زهور وهبت ثلاث وردات". خاص ل(محمد نور - وردة احمد ) بعد ستة أشهر، أعيد افتتاح "أزهار منصور". تم ترميم الجدران المتصدعة، لكني تركت طوبة واحدة تالفة مكشوفة خلف خزانة الأشرطة؛ ليس كذكرى للخطر، بل كدليل على أن الأشياء المدفونة يمكنها أخيراً الخروج إلى النور. استبدلت فنادق الروماني حساباتها الوهمية ببرامج خيرية خاضعة للتدقيق، وفُككت الأعمال غير القانونية، وأدت المعلومات الواردة في دفتر أمي إلى عشرات الاعتقالات. شهد سيف في المحكمة، ووصفته الصحف بكل شيء من خائن إلى مصلح، لكنه تجاهلهم جميعاً. عندما غادر آخر زبون في ذلك المساء، وجدت سيف بالقرب من النافذة يعدل مزهرية ياسمين. لم يكن يرتدي حراساً، ولا خاتم ختم، ولا معطفاً داكناً؛ فقط قميصاً أبيض شُمِّرت أكمامه حتى مرفقيه. قلت له: "لقد نسقت هذه بشكل خاطئ". أجاب: "إنها متناظرة". "الزهور لا يُفترض أن تبدو منضبطة وصارمة". "هي ستختلف معكِ في الرأي". "إنها خائفة منك". ابتسم؛ فقد خففّت الأشهر الستة الماضية شيئاً ما بداله. ليس قوته، ولا حدة عينيه الداكنة، بل تلك الوحدة. خطا نحوي وقال: "أريد زهوراً". سألته: "لمناسبة؟" "نعم". "حفل زفاف؟" "ربما". تعثر قلبي في دقاته وسألته: "كم زهرة؟" تطلع حول "أزهار منصور" المتألق تحت الأضواء الجديدة وقال: "كل ما في المحل". ضحكتُ وقلت: "لا يمكنك الاستمرار في شراء محلي بأكمله". قال: "لم أعد أملك الفنادق، وباتت لدي طرق أقل لإثارة إعجابكِ". "أنت لم تثر إعجابي قط". "لقد اشتريت لسالم أصيصاً جديداً". قلت مبتسمة: "هذا ساعد قليلاً". نظرت السيدة أمينة نحو الشارع. كانت هناك امرأة تقف على الرصيف المقابل؛ ينسج الشيب شعرها الداكن، وتظهر ندبة واضحة عند كتفها فوق ياقة معطفها، وكانت تضم باقة من البابونج الأبيض إلى صدرها. لثماني سنوات، تخيلت آلاف اللقاءات المستحيلة، لكن لم يجهزني أي منها للطريقة التي ابتسمت بها؛ تماماً كما كنت أتذكرها، تماماً كما أفعل أنا. خطت عبر الشارع، ورنّ جرس فوق الباب حين دخلت وقالت: "مرحباً يا ديما". انكسر نفسي، وعبرتُ المحل في ثلاث خطوات متعثرة وارتميت في حضن أمي. كانت تفوح منها رائحة المطر، اللافندر، والورود. ولعمر طويل، لم يتحدث أحد؛ لم تكن هناك كلمات تتسع للغضب، الحزن، الارتياح، أو الحب. فقط ذراعاها حولي، وفقط وجهي على كتفها، وفقط النبض المستحيل لقلبها الحي. وعندما رفعت رأسي أخيراً، رأيت سيف واقفاً بجانب السيدة أمينة، وكان يبتسم؛ ليس كزعيم، ولا كوارث، بل كرجل شاهد أخيراً شيئاً يعود من بين الأموات. لمست أمي خدي وقالت: "أنا آسفة، لقد دفنتكِ بيدي وأعلم أنكِ كرهتِ نفسكِ لأنكِ نسيتِ نبرة صوتي... لكن راشد كان يملك عيوناً في كل مكان، وكل عام قضيته بعيدة، منحكِ عاماً آخر بعيداً عن متناول يده". ضخّت الدموع في عيني وقلت: "كان يجب أن تثقي بي". قالت: "كنتِ في التاسعة عشرة والآن أصبحتِ أكثر خطورة بكثير". اعتدل سيف في وقفته وقال: "هذا ما قيل لي أيضاً". ابتسمت أمي، وعندها فهمت السر الأخير؛ الرسائل المجهولة، الزبائن، والرسالة التي أرسلت سيف إلى "أزهار منصور"... لم ترتبها السيدة أمينة بمفردها، بل كانت أمي تراقب أيضاً. لقد انتظرت حتى كشف راشد عن نفسه، وحتى تم استرداد الأرشيف، وحتى عجزت الإمبراطورية عن الوصول إليّ. إن السر الذي بدأ يطرق بابي لم يكن الصندوق الأسود قط، ولم يكن الدفتر، ولم يكن حتى ثروة الروماني... بل كان الحقيقة التي تقول إن أمي بقيت على قيد الحياة بالسماح لي بتصديق أنها ميتة—ولم تعد إلا بعد أن أصبحتُ قوية بما يكفي للنجاة بعودتها. في تلك الليلة، ملأنا "أزهار منصور" بكل زهرة في المحل لعائلة التأم شملها. وضعت السيدة أمينة وردة صفراء واحدة بجانب صورة زوجها الراحل. ونسقت أمي الياسمين عند النافذة الأمامية. ووقف سيف خلفي، يده دافئة حول يدي وسأل: "ماذا يحدث الآن؟" ونظرت إلى الأشخاص الذين فقدتهم والذين وجدتهم، وإلى المحل الذي نجا منهم جميعاً وقلت: "الآن، نترك شيئاً جميلاً ينمو". تمت محمد نور - وردة احمد