بائعة الزهور

تجاهلتُ تسارع أنفاسي، وبقيت عيناي شاخصتين نحو الصندوق المخملي. سألته: “إلى أين نحن ذاهبون؟”

“إلى مكان آمن”.

“بمفهومك للأمان أم بمفهومي؟”

ارتفعت نظرته لتقابل نظرتي وقال: “الليلة يا ديما، المفهومان واحد”.

وصلنا إلى مشتل زجاجي مهجور يطل على أطراف المدينة، كان السقف الزجاجي قد رُمم بصفائح معدنية،  وضَع سيف الصندوق المخملي على طاولة العمل وقال: “قد يكون هناك فخ بالداخل؛ جهاز تتبع، سم، أو إنذار”.

سألته: “هل كانت أمي تخبئ صناديق مجوهرات متفجرة في الجدران؟”

أجاب: “أُمكِ لم تكن الشخص الذي تظنينه”.

وقعت الكلمات عليّ كالصفعة. قلت: “أنت لم تقابلها قط”.

قال: “لا، لكن والدي كان يثق بامرأة تدعى إلهام منصور”.

حدقت فيه قائلة: “أمي”.

تابع: “كانت مسؤولة الأرشيف المالي لوالدي”.

“لقد كانت بائعة زهور”.

“لقد أصبحت بائعة زهور لاحقاً”.

تراجعت عن الطاولة وقلت: “لا, لقد امتلكت المحل لثلاث وعشرين سنة”.

“وقبل ذلك، كانت تعمل لصالح عائلتي”.

بدأ عقلي يستحضر ذكريات مجتزأة؛ أمي وهي تتأخر ليلاً “لإنهاء الفواتير”، عادتها في قفل باب المكتب كلما وازنت الحسابات، الندبة القديمة على كتفها التي كانت تلوم عليها حادثاً في طفولتها، والطريقة التي كانت تتفحص بها كل سيارة تقف في الخارج قبل الإغلاق.

تابع سيف بحذر: “اكتشفت إلهام أن شخصاً ما داخل منظمة الروماني كان يحول الأموال عبر جمعيات خيرية وهمية ويأمر بعمليات تصفية باسم والدي”.

“من؟”

“لم نعرف قط. خطط والدي لفضح الخائن، وقبل أن يتمكن من ذلك، انفجرت سيارته”.

شعرت بالدم يهرب من وجهي وسألته: “وأمي؟”

“اختفت في الليلة نفسها”.

“لم تختفِ، لقد ربتني”.

“ربما تحت هوية مختلفة”.

“إلهام منصور كانت هويتها الحقيقية”.

“إذن فقد أخفت أجزاءً منها عنا نحن الاثنين”.

كان للصندوق قفل نحاسي صغير. وتذكرتُ أنني في بطانة معطف أمي القديم، وجدت ذات مرة مفتاحاً رفضت تفسيره. وبعد وفاتها، احتفظت به في درج مجوهراتها، وأرتديه الآن في قلادة تحت قميصي. بردت يداي وأنا أخرجه. حدق سيف وقال: “هذا المفتاح…”

قلت: “كان لأمي”.

انزلق المفتاح بمثالية داخل القفل، وانفتح الغطاء بنقرة ناعمة. في الداخل، كانت هناك زهرة بابونج مجففة، صورة فوتوغرافية باهتة، مفتاح نحاسي، وظرفان مغلقان. رفعتُ الصورة؛ كانت أمي تقف في حديقة مشمسة بجانب امرأة شابة ذات شعر داكن وجمال أخاذ لم أرها من قبل. وخلفهما وقف والد سيف، “كامل الروماني”. وبجانبه وقفت نسخة أصغر سناً من المرأة التي أعرفها باسم السيدة أمينة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *