بائعة الزهور

قلت مبتسمة: “هذا ساعد قليلاً”.

نظرت السيدة أمينة نحو الشارع. كانت هناك امرأة تقف على الرصيف المقابل؛ ينسج الشيب شعرها الداكن، وتظهر ندبة واضحة عند كتفها فوق ياقة معطفها، وكانت تضم باقة من البابونج الأبيض إلى صدرها. لثماني سنوات، تخيلت آلاف اللقاءات المستحيلة، لكن لم يجهزني أي منها للطريقة التي ابتسمت بها؛ تماماً كما كنت أتذكرها، تماماً كما أفعل أنا. خطت عبر الشارع، ورنّ جرس فوق الباب حين دخلت وقالت: “مرحباً يا ديما”.

انكسر نفسي، وعبرتُ المحل في ثلاث خطوات متعثرة وارتميت في حضن أمي. كانت تفوح منها رائحة المطر، اللافندر، والورود. ولعمر طويل، لم يتحدث أحد؛ لم تكن هناك كلمات تتسع للغضب، الحزن، الارتياح، أو الحب. فقط ذراعاها حولي، وفقط وجهي على كتفها، وفقط النبض المستحيل لقلبها الحي. وعندما رفعت رأسي أخيراً، رأيت سيف واقفاً بجانب السيدة أمينة، وكان يبتسم؛ ليس كزعيم، ولا كوارث، بل كرجل شاهد أخيراً شيئاً يعود من بين الأموات.

لمست أمي خدي وقالت: “أنا آسفة، لقد دفنتكِ بيدي وأعلم أنكِ كرهتِ نفسكِ لأنكِ نسيتِ نبرة صوتي… لكن راشد كان يملك عيوناً في كل مكان، وكل عام قضيته بعيدة، منحكِ عاماً آخر بعيداً عن متناول يده”. ضخّت الدموع في عيني وقلت: “كان يجب أن تثقي بي”.

قالت: “كنتِ في التاسعة عشرة والآن أصبحتِ أكثر خطورة بكثير”. اعتدل سيف في وقفته وقال: “هذا ما قيل لي أيضاً”.

ابتسمت أمي، وعندها فهمت السر الأخير؛ الرسائل المجهولة، الزبائن، والرسالة التي أرسلت سيف إلى “أزهار منصور”… لم ترتبها السيدة أمينة بمفردها، بل كانت أمي تراقب أيضاً. لقد انتظرت حتى كشف راشد عن نفسه، وحتى تم استرداد الأرشيف، وحتى عجزت الإمبراطورية عن الوصول إليّ. إن السر الذي بدأ يطرق بابي لم يكن الصندوق الأسود قط، ولم يكن الدفتر، ولم يكن حتى ثروة الروماني… بل كان الحقيقة التي تقول إن أمي بقيت على قيد الحياة بالسماح لي بتصديق أنها ميتة—ولم تعد إلا بعد أن أصبحتُ قوية بما يكفي للنجاة بعودتها.

في تلك الليلة، ملأنا “أزهار منصور” بكل زهرة في المحل لعائلة التأم شملها. وضعت السيدة أمينة وردة صفراء واحدة بجانب صورة زوجها الراحل. ونسقت أمي الياسمين عند النافذة الأمامية. ووقف سيف خلفي، يده دافئة حول يدي وسأل: “ماذا يحدث الآن؟” ونظرت إلى الأشخاص الذين فقدتهم والذين وجدتهم، وإلى المحل الذي نجا منهم جميعاً وقلت: “الآن، نترك شيئاً جميلاً ينمو”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *