اخو جوزي – اماني السيد ١
سمعنا صوت مفتاحه في الباب. قمت بسرعة مخضوضة—زي كل مرة—وبدأت ألملم العباية وألبسها بـ “لخبطة” مقصودة، وأنا بلف الطرحة نص لفة بحيث تبين جزء من رقبتي وشعري.
دخل أنور، وكان شايل شنط كتير في إيده كالعادة. بس المرة دي، لما عينه جت عليا وأنا “بداري” نفسي بلهفة، واقفة ومربوكة، ملقيتش الجمود اللي في عينه كل مرة. وقف مكانه، عينيه نزلت على التفاصيل اللي غيرتها في نفسي، وثبتت نظرته عليا لثواني طويلة كأنه بيستوعب المشهد بالكامل، ومبقاش قادر يدير وشه الناحية التانية زي زمان.
مراته قامت تاخد منه الشنط وهي بتقول بقلة اهتمام: “تعبت نفسك يا حبيبي، كل دي حاجات؟”
لكن هو مكنش سامعها، عينه كانت لسه عليا، وفي اللحظة دي بالذات، شوفت في عنيه نظرة تانية خالص.. نظرة مكنش فيها أي حزن على أخوه اللي مات من كام شهر.
قعد أنور معانا المرة دي مسبناش ودخل أوضة الأطفال كالعادة. حط الشنط وقعد على الكرسي القريب مننا وهو بيمسح عرق جبينه، وعينيه كانت لسه بتتحرك بيني وبين مراته، بس نظراته ليا كانت مختلفة، فيها تركيز غريب مكنتش بشوفه زمان.
مراته دخلت المطبخ تجهز له حاجة يشربها، والجو فجأة هدي. استغليت اللحظة دي بالظبط، غيرت نبرة صوتي وخليتها هادية ومكسورة، وبدأت أتكلم وأنا باصة في الأرض وبلعب بطرف الطرحة اللي سايباها مهدولة على كتفي:
*”الشقة بقت وحشة وضلمة يا أنور.. من ساعة ما المرحوم مشي وإحنا محرومين من الأمان. البيت مابقاش ليه حس، والعيال حالهم يقطع القلب.. ما خرجوش ولا شافوا الشارع من يومها، حابسين نفسنا بين أربع حيطان والخوف واكلنا.”*
رفعت عيني وبصيت له نظرة مكسورة ومليانة رجاء. شفته وهو بيبلع ريقه، ملامح الوش الجامدة بدأت تفك، وحسيت بكلامي وهو بيلمس حاجة جواه. اتأثر فعلاً، وبان في عينيه مزيج من الشفقة على ولاد أخوه.. وحاجة تانية تانية خالص تخصني أنا. سكت ومردش، بس نظرته كانت بتقول كتير لحد ما مراته خرجت بالحاجة الساقعة، فقمت أنا ولميت عبايتي واستأذنت ونزلت شقتي وأنا قايدة نار جواه.
تاني يوم، كانت المفاجأة اللي مستنتهاش بالسرعة دي.
سمعت خبط على الباب العصر، فتحت ولقيته هو. لأول مرة من يوم الوفاة يعدي عليا في شقتي لوحده. وقف على الباب ومأعتبش جوه، بس عينه كانت بتاكل تفاصيلي وهو بيقول بصوت هادي وفيه نبرة أمر حنينة: